جليلة كلاعي تونس
عندما تنحني الشمس نحو أفق “القلعة” في دوز الشمالية، مودعةً نهار الثالث من ماي 2026 بحمرة خجولة، لم يكن الصمت هو سيد الموقف، بل كان صخب الإبداع يعلن ولادة لحظة تاريخية فوق مسرح “الربوة”.

هناك، حيث يلتقي التراث بالحدث، لم تكن ملحمة “الخلال” مجرد عرض مسرحي عابر، بل كانت استنطاقاً عميقاً لذاكرة الأرض وهزّة وجدانية لمئات الحاضرين الذين اصطفوا في مشهد جماهيري مهيب، ليؤكدوا أن الصحراء ليست مجد قفارٍ موحشة، بل هي ركح مفتوح على الكونية، وقصيدة لا تنتهي من الضوء والظلال.

تحت إدارة فتحي الدباك، ومن بوابة جمعية “همس للفنون الدرامية والركحية”، انبعثت ملحمة “الخلال” كصرخة فنية تحاول ردم الفجوة بين أصالة الماضي وتصدعات الحاضر. لقد نجح الدباك في تطويع الفضاء الطبيعي ليصبح جزءاً حياً من السينوغرافيا، فلم يعد الديكور مجرد كتل صماء، بل تحول إلى كائن يتنفس مع هبات الريح، ويتلون بتدرجات الشفق التي أضفت على العرض مسحة من القداسة والجمال “الخرافي”.
هذا العمل الفرجوي لم يكتفِ باستعراض الفلكلور، بل غاص في عمق التحولات الاجتماعية، مسلّطاً الضوء على تلك القيم الصحراوية التي بدأت تتآكل أمام زحف الحداثة المادية، مما جعل المتفرج يواجه مرآة ذاته وسط لوحات إبداعية جمعت بين خشونة الرمل ونعومة الشعر المسرحي.

إن اختيار هذا العرض ليتوج فعاليات المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء لم يكن بمحض الصدفة، بل هو اعتراف بقدرة الفن التونسي على خلق سياحة ثقافية بديلة تتجاوز النمط التقليدي.

إن مشهد الجمهور وهو يملأ الربوة، مأخوذاً بسحر الأداء وتناغم الإضاءة الطبيعية مع حركة الممثلين، يعكس ظمأً حقيقياً للفن الذي يحاكي الهوية والواقع المعاش.

“الخلال” اليوم ليست مجرد مسرحية، بل هي وثيقة بصرية وجمالية تثبت أن “القلعة” قادرة على أن تكون منارة دولية، حيث تلتقي فيها الدراما بصفاء الصحراء، لتصنع تجربة سياحية وثقافية تظل محفورة في وجدان كل من استنشق غبار الركح الممزوج برائحة الانتماء في تلك الليلة الاستثنائية.



