جليلة كلاعي تونس
حين تعانق رمال الصحراء التونسية صدى الكلمات، وتتحول الكثبان الصامتة إلى منصات تنطق بآلام وآمال البشرية، ندرك أننا أمام ظاهرة تتجاوز حدود الترفيه لتلامس جوهر الفعل الثقافي الذي يعيد صياغة الجغرافيا.
في بلدة “القلعة” التونسية، حيث تلتقي الأصالة بعمق التاريخ، لم تكن الدورة الأخيرة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل كانت بياناً عملياً حول قدرة الإرادة الإنسانية على تطويع القسوة الجغرافية وتحويلها إلى واحة للإبداع الكوني.
إن ما شهده هذا المهرجان هو انصهار فريد بين رؤيتين؛ رؤية الفن التي يحمل لواءها السيد عادل بن موسى، ورؤية التنمية التي يقود دفتها السيد أحمد بوقنة، في ثنائية شكلت العمود الفقري لنجاح تنظيمي أدهش ضيوف تونس من شتى أصقاع الأرض.
لقد تجسدت في شخصية عادل بن موسى، رئيس جمعية “همس للفنون الركحية والدرامية”، صورة المثقف العضوي الذي لا يكتفي بإدارة الخشبة، بل يغرس روحه في تفاصيلها، بينما مثل أحمد بوقنة، رئيس جمعية “رؤى للتنمية والتجديد”، العقل الاستراتيجي الذي يؤمن بأن الثقافة هي القاطرة الحقيقية لأي نهضة سياحية وتنموية.
لم يكن عملهما خلال تلك الأيام الستة مجرد إدارة لوجستية، بل كان سيمفونية من السهر والتفاني، حيث امتدت ساعات العمل من خيوط الفجر الأولى حتى انطفاء آخر شعلة في ليل الصحراء.
هذا التلاحم بين “همس” و”رؤى” لم يكن مجرد تنسيق بين جمعيتين، بل كان ولادة لحكاية تونسية جديدة، تبرهن على أن الفعل الجمعياتي حين يتجرد من الذاتية ويحلق في فضاء المصلحة الوطنية، يصبح قوة لا تُقهر قادرة على صناعة المستحيل.
التحليل العميق لمجريات هذا المهرجان يكشف عن فلسفة جديدة في “سياحة المهرجانات”، حيث لم تعد الوجهة هي الفندق أو الموقع الأثري فحسب، بل أصبحت “التجربة الإنسانية” هي المقصد.
إن التنظيم العالي الذي أبداه بن موسى وبوقنة عكس مهنية لا تعترف بالصدفة، بل تخطط لكل تفصيل لضمان راحة المبدع وإبهار الزائر.
لقد نجحا في تحويل “القلعة” إلى منارة إشعاع دولي، حيث لم تهدأ حركتهما طوال المهرجان، مؤكدين أن روح العطاء هي الوقود الحقيقي للنجاح.
هذه الشراكة بين الفن والتنمية، وبين المسرح والواقع، هي التي منحت المهرجان طعمه الخاص، وجعلت من “قصة همس ورؤى” نموذجاً يُحتذى به في كيفية استثمار التراث اللامادي والبيئة الصحراوية لخلق منتج سياحي ثقافي عالمي يليق بمكانة تونس، ويؤكد أن إرادة العمل هي الصخرة التي تتكسر عليها كل التحديات.



