آخر الأخبار

معرض تونس الدولي للكتاب: حين تتحول “الكرم” إلى بوصلة لترميم الوعي العربي

شارك

جليلة كلاعي تونس

بينما تنشغل العواصم بضجيج الأرقام وتحديات الجغرافيا، كانت تونس في دورتها الأربعين لمعرضها الدولي للكتاب، تلمم شتات الروح العربية وتعيد صياغة انتمائها للكلمة عبر احتفالية لم تكن مجرد عرض للمؤلفات، بل كانت أشبه بورشة مفتوحة لترميم الوعي الجمعي.

في قصر المعارض بالكرم، لم يعد الحبر مجرد مادة لتسجيل الأفكار، بل تحول إلى فعل مقاومة ثقافي، حيث أثثت الإصدارات الجديدة فضاءات الدورة بوهج استثنائي، معلنةً أن الكتاب الورقي، ورغم كل نبوءات الأفول الرقمي، ما يزال هو الملاذ الأخير لعمق التفكير وأصالة الرؤية في عالم يزداد تسطحاً.

إن المتأمل في طبيعة الإصدارات التي ازدانت بها أروقة هذه الدورة، يلحظ تحولاً نوعياً في بنية الكتابة التونسية والعربية على حد سواء، حيث لم يعد الرهان مجرد تراكم كمي للعناوين، بل انتقل إلى حيز “المساءلة”؛ مساءلة التاريخ، والواقع، والجماليات الجديدة.

لقد برزت العناوين الفائزة بجوائز الإبداع، مثل “تحت جسر أمستردام” لأمينة زريق و”في الحب والح(ر)ب” للعادل خضر، لا كمنتجات استهلاكية، بل كشهادات إنسانية عميقة تحفر في الهوية والذاكرة والوجع الراهن.

هذا التدفق المعرفي الذي ناهز 148 ألف عنوان، لم يكن ليحقق معناه لولا هذا المزيج العبقري بين الأجناس الأدبية الكلاسيكية وبين الدراسات الإنسانية التي حاولت تفكيك ظواهر حديثة، كاشفةً عن نضج فكري يسعى لتجاوز الأنماط السائدة نحو آفاق أكثر رحابة وتحرراً.

وعمق هذه الدورة تجلى بوضوح في قدرتها على مد الجسور مع الآخر دون ذوبان، وهو ما جسده الحضور الأندونيسي كضيف شرف، الذي لم يكتفِ بعرض منجزاته الثقافية، بل أثار تساؤلات حيوية حول المشترك الثقافي والروحي بين ضفتي العالم الإسلامي.

إن هذا التلاقح لم يكن عابراً، بل أثبت أن المعرض قد تجاوز وظيفة “السوق” ليصبح “مختبراً” للعلاقات الثقافية الدولية. وفي الوقت الذي تراجعت فيه الكثير من المحافل الثقافية أمام ضغوط الأزمات، أصرت تونس على أن تكون دورتها الأربعون محطة لتكريم الرموز الفكرية والاحتفاء بالناشئة عبر دمج الذكاء الاصطناعي بالكتاب، في استشراف ذكي لمستقبل القراءة، ما جعل من هذه الدورة وثيقة حية تثبت أن تونس تظل، رغم كل الصعاب، الرئة الثقافية التي يتنفس منها الفكر العربي طاقة التجدد والبقاء.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *