عبد الوهاب البراري ـ تونس
مثلما انبعث التاريخ في أبهى صوره فوق رمال المملكة العربية السعودية، حيث الأصالة تكتسي حلة الحداثة وروح المستقبل، يشدّنا الرحال اليوم نحو ضفة أخرى من ضفاف الجمال العربي، لنطوي سجّاد الرمل ونبسط بساط الزهر في أرض “أبي القاسم الشابي”. هنا، في ربوع عقبة بن نافع، تطل علينا تونس “الخضراء”؛ ذلك الوطن الذي تحدى صغر مساحته بعظمة تاريخه، فولد الجمال في تفاصيله كما يولد الفجر من عتمة الليل، معلناً عن ولادة تجربة سياحية فريدة تمزج بين وهج الجزيرة العربية وعنفوان البحر الأبيض المتوسط، في تناغمٍ يعكس وحدة الروح وتعدد الملامح في وطننا الكبير.

إن المتأمل في التكوين التونسي يدرك أن سرّ جاذبيتها يكمن في ذلك الارتباط العضوي بين التاريخ والجغرافيا، فهي الجسر الذي يربط وجدان الشرق بحداثة الغرب، والهمزة التي تصل القارة السمراء في الجنوب بشقيقتها العجوز في الشمال.
هذه المركزية الجيوسياسية صهرت في بوتقتها هويّة تونسية لا تشبه غيرها، حيث تذوب الفوارق الطبقية والحدود الوهمية أمام سحر “سيدي بوسعيد” وقرطاج، حيث تتحول الشوارع المرصوفة بالخيال من زمن الفينيقيين إلى مسارح مفتوحة يلتقي فيها الأبيض بالأسمر، والعربي بالإفرنجي، في مشهد إنساني يكسر رتابة الزمن ويجعل العقارب تتوقف عن الدوران إجلالاً لإبداع الخالق.
في تلك الأزقة الضيقة، تتحول عيون الزائرين إلى عدسات حالمة تخلد اللحظة، فينسى المارّون مراقبة ساعاتهم اليدوية؛ فالدقائق هنا تفقد هويتها المادية أمام سحر المكان الذي ينسيها نظامها المعتاد.

بين هيبة “الجبّة” التونسية ووقار “الشاشية” الحمراء، تكمن حكاية وطنٍ لم يكتفِ بموقعه على الخارطة، بل اختار أن يكون قلباً نابضاً يضخّ الرّوح في جسد القارة السمراء، ويمدّ يداً من ياسمين ليعانق القارة العجوز شمالاً. إنها تونس، تلك الأرض التي نبتت في وجدان أبي القاسم الشابي قصيدةً أبدية، واستوت على عرش التاريخ منذ أن وضع عقبة بن نافع أول حجر في صرح القيروان.
هي تونس “الخضراء” التي لا تُقاس مساحتها بالكيلومترات، بل بعمق الجذور التي تمتدّ إلى آلاف السنين، حيث تتحد الجغرافيا بالتاريخ في علاقة وجودية صاغت هوية إنسانٍ جُبل على حب الحياة والاستمتاع بجمالها رغم تقلبات العصور.
هذا الكيان التونسي يمثل العبقرية المكانية في أبهى صورها؛ فهو ليس مجرد معبر للغزاة أو الرحّالة، بل هو المختبر الحضاري الذي صهر الفينيقي بقرطاج والقرطاجي بالروماني، ليخرج في النهاية هذا المزيج الفريد الذي يستقبل الزائر بابتسامة فطرية وكلمات ترحيب تنبثق من الروح قبل الشفاه.
وعندما يبدأ المرء رحلته في هذا الوطن، يكتشف أن ستّ ساعات من السفر ليست مجرد زمن، بل هي اختزال للمسافات الثقافية والجمالية؛ فمن زرقة سيدي بوسعيد التي تعكس صفاء الروح التونسية وأبوابها التي تحكي أسرار الأندلسيين المهاجرين، تنطلق الرحلة نحو واحات الجنوب في قبلي وتوزر، حيث النخيل الباسق يحرس ذاكرة الصحراء، مروراً بحقول الزيتون في سوسة وصفاقس التي تمدّ بصرها كبحرٍ أخضر لا يقل سخاءً عن البحر الأبيض المتوسط، لتعطي للعالم أجود أنواع الزيوت التي هي عصب المطبخ التونسي، المصنّف عالمياً بتميزه وأصالته التي تترجمها نكهة “الهريسة” الحارة، التي ليست مجرد توابل، بل هي رمز لعنفوان الأرض وحرارة قلوب أهلها.

وفي شمال تونس، تبرز “طبرقة” كأيقونة حالمة تتحدى الأمواج والزمن، لؤلؤة تتفرد بأعمدتها الصخرية الشاهقة ومرجانها الأحمر الذي يزيّن جيد حسناوات تونس وأميرات أوروبا عبر العصور. هناك، تقف القلعة الرومانية فوق ربوة خضراء كحارسٍ أسطوري يرمق السواحل الإيطالية من بعيد، بينما تفوح روائح الأسماك المشوية من المطاعم الصغيرة تدعو الزوّار إلى مأدبة من الطبيعة الصافية.
وبالقرب منها، تنتصب مدن وقرى الشمال الغربي، حيث بساتين القوارص وأشجار الليمون تمنح الهواء عبقاً يمتزج برائحة الياسمين المنبعثة من مدينة الحمامات، تلك المدينة التي ترفض النوم إلا لماماً، لتربط ليل السهر بنهار الاستمتاع، وتجاورها “نابل” مدينة الصناعات التقليدية وأسواق الفصول الأربعة التي تزدحم بالحياة، مقدمةً لزائريها لمحة عن الحرف اليدوية التي تورّث كأمانة مقدسة من جيل إلى جيل.
إن سحر تونس الحقيقي يتجلى في تلك اللحظة التي تتوقف فيها عقارب الساعة عن الدوران في أزقة سيدي بوسعيد المرصوفة بعبق الفينيقيين؛ ففي هذا المكان تحديداً، تذوب الهويات الفردية لتصبح “عيوناً سابحة” في جمال كوني يجمع كل الأجناس. هناك، ينسى الزائر ساعته اليدوية وتفقد الدقائق وظيفتها المادية، ليتحول الوقت إلى حالة من الذهول أمام إبداع الخالق الذي صاغ هذا الجمال في لحظة تجلٍّ إلهي.
إنها أرض الجمال الذي نسي تاريخ ميلاده، ليظل شاباً للأبد، فاتحاً ذراعيه لكل من ينشد الراحة وحسن الضيافة في وطنٍ صغير بمساحته، عظيم بتأثيره، يثبت يوماً بعد يوم أن “الخضراء” ليست مجرد لون، بل هي فلسفة حياة تعشق البقاء وتتطلع دوماً نحو الأفضل.
وكما احتضنتنا تونس بخضرتها وطيب أهلها، تظل بوصلة الشغف تشير نحو آفاق جديدة في حوضنا العربي الممتد، فبينما نودّع أزقة سيدي بوسعيد، يلوح لنا في الأفق وهجٌ آخر من عبق التاريخ المعاصر والجمال الذي لا ينكسر. في مقالنا القادم، سنشد الرحال نحو “ست الدنيا” ورئة الشرق، لنحط الرحال في “بيروت”؛ هناك حيث يلتقي الجبل بالبحر، وحيث ترسم لبنان لوحة أخرى من لوحات الصمود والجمال، لنغوص في سحر بيروت التي تجمع بين صخب الحداثة وأناقة التراث، ونكتشف معاً سر تلك المدينة التي لا تموت.



