تونس، المهدية الخضراء 2026: حين يتعانق عبق التاريخ مع نبض الاستدامة

شارك

جليلة كلاعي تونس

بينما تقف منارة المهدية بشموخها المعهود حارسةً لذاكرة الفاطميين على ضفاف المتوسط، تستعد المدينة في الرابع عشر من مايو 2026 لخطّ فصلٍ جديد في تاريخها، لا يكتبه الرحالة هذه المرة، بل يسطره المبتكرون ورواد الأعمال تحت لواء “المهدية الخضراء والمستدامة”.

إن هذه التظاهرة ليست مجرد حدث عابر في أجندة الفعاليات الوطنية، بل هي إعلان صريح عن ولادة هوية اقتصادية جديدة للمنطقة، تتجاوز الصورة النمطية للسياحة الشاطئية نحو آفاق “الريادة البيئية” التي تجعل من الحفاظ على الطبيعة محركاً للنمو لا عائقاً أمامه.

إن اختيار هذا التوقيت بالذات، وفي قلب ولاية تمتلك من المقومات الطبيعية ما يؤهلها لتكون قطباً إيكولوجياً، يعكس رؤية تحليلية عميقة تدرك أن مستقبل الاستثمار لن يكون إلا “أخضر”، وأن المؤسسات التي لا تتبنى الابتكار المسؤول ستجد نفسها خارج سياق الزمن.

يتجاوز هذا الحدث الذي تشرف عليه وكالة النهوض بالصناعة والتجديد الأطر التقليدية للندوات، ليتحول إلى مختبر فكري يحلل تقاطع التكنولوجيا مع النظم البيئية المحلية؛ فالرهان اليوم يكمن في كيفية تحويل التحديات المناخية إلى فرص استثمارية ملموسة، وهو ما تترجمه محاور التظاهرة التي تغوص في آليات التمويل الأخضر ودعم الشركات الناشئة التي تتبنى الاقتصاد الدائري كمنهج عمل.

إن العمق الحقيقي لهذه المبادرة يتجلى في سعيها لخلق مصالحة تاريخية بين النشاط الصناعي والوسط البيئي، حيث تصبح الكفاءة الطاقية وتقليص البصمة الكربونية معايير أساسية لتقييم النجاح المؤسساتي، مما يضع المهدية على خارطة المدن الذكية التي تستثمر في ذكاء أبنائها وفي استدامة مواردها، لتثبت أن التنمية الحقيقية هي التي تترك أثراً في الاقتصاد، لا ندوباً في الطبيعة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *