جليلة كلاعي تونس
لطالما كانت المطارق التي تعزف على النحاس، والأصابع التي تغزل الحرير في أزقة تونس العتيقة، لغةً صامتة تقاوم الاندثار، لكنها اليوم لم تعد مجرد تراث يثير الحنين، بل تحولت إلى محرك اقتصادي ينبض بالحداثة والابتكار.
إن مشروع “تونس المبدعة” لم يكن مجرد مبادرة عابرة لتلميع الواجهة السياحية، بل جاء كإعادة صياغة فلسفية لمفهوم “الصناعة التقليدية”، حيث لم يعد الحرفي حبيس دكانه الصغير، بل شريكاً استراتيجياً في بناء علامة تجارية وطنية قادرة على اختراق الأسواق العالمية.
من خلال هذا المشروع، نجحت تونس في فك الشفرة الصعبة التي تجمع بين عراقة الموروث وصرامة المعايير الدولية، محولةً المهارات اليدوية المتوارثة من خانة “الفلكلور” إلى قطاع إنتاجي يتسم بالمرونة والقدرة على خلق الثروة وتوليد فرص العمل في الجهات الداخلية التي ظلت لعقود تبحث عن هويتها التنموية.
يكمن العمق التحليلي لهذا المشروع في نجاحه في تأسيس “منظومات ذكية” أو ما يُعرف بالمجموعات الاقتصادية، التي ربطت المصمم الشاب بالحرفي الخبير، والمنتج المحلي بالمسوق الدولي، وهو ما خلق حالة من التلاقح الفكري والفني أدت إلى ولادة منتجات “هجينة” تحمل روح قرطاج ولمسات العصر.
إن التركيز على سبع عشرة سلسلة قيمة، من نسيج الكاف إلى موضة تونس، يعكس رؤية تهدف إلى خلخلة البنى التقليدية للإنتاج، حيث تم الانتقال من العمل الفردي المشتت إلى عمل هيكلي مؤسساتي تدعمه مراكز ابتكار تعمل كمختبرات لصناعة المستقبل.

هذا التحول لم يخدم الأرقام والنمو الاقتصادي فحسب، بل حقق أثراً اجتماعياً عميقاً من خلال إعادة الاعتبار لكرامة الحرفي ومنحه الأدوات التقنية والمالية ليستمر في الإبداع، مما جعل من “تونس المبدعة” نموذجاً يحتذى به في كيفية استثمار الهوية الثقافية كقوة ناعمة قادرة على مواجهة تحديات العولمة وتحقيق استدامة حقيقية تتجاوز مجرد الاستهلاك السياحي السطحي إلى بناء اقتصاد إبداعي متكامل ومستدام.



