جليلة كلاعي تونس
من رحم الجبل الذي أهدى قرطاج شريان حياتها يوماً، ومن بين ثنايا “معبد المياه” الذي يقف شاهداً أزلياً على عبقرية المعمار الروماني، تستعد ولاية زغوان التونسية لكتابة فصل جديد من حكايتها مع الجمال، ليس عبر الماء هذه المرة، بل من خلال أنامل 3460 حرفياً وحرفية يحملون في جيناتهم أسرار المهن الضاربة في القدم.
إن الإعلان عن تنظيم المعرض الوطني للصناعات التقليدية بموقع معبد المياه خلال السنة القادمة، ليس مجرد حدث تجاري عابر، بل هو استحضار لمفهوم “قدسية الصنعة” في فضاء تاريخي مقدس، حيث يلتقي موروث الأجداد بطموحات التنمية المستدامة، في مشهد سياحي متكامل يراهن على تحويل الجهة من محطة عبور إلى وجهة استراتيجية للسياحة الثقافية والتراثية.
إن المتأمل في النسيج الحرفي لولاية زغوان يدرك أننا أمام قوة ناعمة قوامها آلاف المبدعين الذين استطاعوا تحويل الموارد الطبيعية إلى قطع فنية تروي قصة الأرض، فمن تقطير زهرة “النسري” الفريدة التي تملأ الأفق أريجاً أندلسياً، إلى حياكة الزربية ونحت الأقفاص التقليدية وصناعة “كعك الورقة” الموشى بالدقة، يبدو الحرفي في زغوان كحارس للذاكرة الوطنية.
ويأتي هذا المشروع الطموح ليعيد صياغة العلاقة بين المنتج التقليدي والمحيط الأثري، فإقامة معرض وطني في رحاب معبد المياه هو ذكاء استثماري يربط القيمة الرمزية للمكان بالقيمة المضافة للمنتج، مما يمنح الحرفي منصة تتجاوز حدود العرض التقليدي لتصبح تجربة غامرة للزائر، تتيح له ملامسة الروح الحية للتراث في موطنه الأصلي.
هذا التوجه نحو “سياحة المهارات” يعكس عمق الرؤية التنموية التي تنتهجها المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية، حيث لم يعد الهدف مجرد بيع قطعة تراثية، بل خلق اقتصاد دائري يدمج الحرفي في المسالك السياحية الكبرى.
إن تخصيص عشرة أيام من الورشات الحية والندوات العلمية في فضاء أثري يمر بمراحل تهيئة متقدمة، يعني بالضرورة رفع سقف الجودة والابتكار لدى الحرفيين المحليين لمجاراة نظرائهم من مختلف ولايات الجمهورية.

إنها دعوة مفتوحة لكل عشاق الأصالة والباحثين عن المعنى خلف الأشياء، لزيارة زغوان التي تستعد العام القادم لتثبت للعالم أن الحداثة لا تكتمل إلا حين تعترف بجميل الحرف اليدوية، وأن التاريخ حين يمتزج بعرق الجبين وإبداع اليد، يخلق مستقبلاً يليق بعظمة هذه الأرض.



