جليلة كلاعي تونس
في قلب المتوسط، حيث تلتقي الرياح الدافئة بعبق التاريخ، لم تكن تونس يوماً مجرد محطة عابرة، بل كانت دوماً البوصلة التي توجّه سفن الحوار الحضاري بين الضفاف، واليوم، ومن منصة المؤتمر الدائم للوسائل السمعية والبصرية في حوض المتوسط (COPEAM)، تبرهن تونس مجدداً على أن رصيدها الرمزي لا يزال العملة الأكثر قيمة في سوق الإعلام الدولي، بانتخاب السيد شكري بن نصير، الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية، نائباً لرئيس هذه المنظمة المرموقة، وبإجماع يعكس الثقة المطلقة في “دار التلفزة” التي شاخت دون أن تهرَم.

هذا الحدث لا يمكن اختزاله في فوز بمنصب إداري، بل هو استعادة لمكانة جيوسياسية ناعمة في لحظة فارقة يتشكل فيها وعي العالم من جديد تحت وطأة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، إن اختيار تونس لتكون مقراً للدورة الثالثة والثلاثين للمؤتمر، وتزامنه مع احتفالات ستينية التلفزة الوطنية، يضعنا أمام لوحة سيميائية مكتملة الأركان، حيث يلتحم الماضي المؤسس بطموح الحاضر التقني، ليصنع رؤية استباقية تتجاوز مفهوم “البث” التقليدي نحو مفهوم “التأثير” العابر للحدود.
فقد أثبتت التجربة التونسية في هذا المحفل أن الإعلام العمومي، رغم التحديات العاتية، يظل هو حائط الصد الأخير للدفاع عن الهوية والتماسك المجتمعي في ظل تفتت الخطاب الرقمي.
لقد غاص المؤتمر في عمق التحولات الكبرى، متجاوزاً السطحية في طرح قضايا الرقمنة، ليتساءل المشاركون بجرأة عن مصير “الإنسان” وسط ضجيج الآلة، وكيف يمكن لوسائل الإعلام المتوسطية أن تحافظ على تلك الشعرة الرفيعة بين مواكبة التكنولوجيا وفقدان المصداقية.
ففي الوقت الذي يسابق فيه العالم الزمن لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، طرحت تونس من خلال رئاستها لأشغال المؤتمر نموذجاً يوازن بين “الأنسنة” و”التقنية”، مؤكدة أن القوة الحقيقية للإعلام تكمن في قدرته على الحوار وبناء الجسور لا الجدران، وهذا العمق التحليلي هو ما منح تونس أحقية القيادة في “COPEAM”، حيث تحولت المؤسسة الإعلامية التونسية من مجرد عضو مشارك إلى قاطرة تدفع نحو إنتاج مشترك يعيد للضفة الجنوبية للمتوسط صوتها المسموع.
فالمعركة القادمة ليست معركة شاشات، بل معركة مضامين قادرة على استقطاب فئة الشباب التي باتت تسبح في عوالم افتراضية معزولة، وهنا تكمن العبقرية التونسية في تحويل الذكرى الستينية لتأسيس تلفزتها من مناسبة احتفالية إلى منصة إطلاق لاستراتيجيات جديدة تدمج بين التحديث التقني للبنية التحتية وبين صناعة محتوى ثقافي وإعلامي يحمل سمات “السيادة الإعلامية” في محيط عربي وإفريقي وأوروبي متداخل.
إن هذا التتويج الإقليمي هو في جوهره شهادة استحقاق للدور الجامع الذي تلعبه التلفزة التونسية كخدمة عمومية ترفض الانكفاء على الذات، وتختار الانفتاح المسؤول الذي يكرس قيم التنوع والتعاون، فالمؤتمر في ختامه لم يكن مجرد توصيات على ورق، بل كان صرخة وعي بضرورة بناء إعلام أكثر إنسانية، يكون فيه المتوسط فضاءً للإنتاج الفكري المشترك وليس مجرد حدود جغرافية.

لقد استطاعت تونس أن تقنع شركاءها بأن استقرار المجتمعات يبدأ من جودة المضمون الإعلامي، وأن التحول الرقمي ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة لتعزيز التقارب بين الشعوب، وبانتخابها في هذا الموقع القيادي، تدخل التلفزة التونسية حقبة جديدة من التأثير، حيث باتت مطالبة بصياغة سياسات إعلامية متوسطية تواجه التحديات الجيوسياسية المتسارعة، مؤكدة أن تونس، الخضراء بتاريخها والفتيّة بطموحاتها، ستظل دائماً هي المنارة التي يستدّل بها الإعلام المتوسطي للعبور نحو مستقبل أكثر شفافية ومصداقية.



