جليلة كلاعي تونس
تستيقظ مدينة جدة كل يوم على إيقاع مطارق البناء التي لا تهدأ، ليس فقط لتشييد جدران إسمنتية، بل لرسم ملامح عصر ذهبي جديد يضع المملكة العربية السعودية في قلب الخارطة الرياضية والسياحية العالمية.
ومع إعلان تجاوز نسبة الإنجاز في مشروع “ملعب وسط جدة” عتبة الـ 31%، لم يعد الحديث مجرد أرقام في تقارير دورية، بل أصبح تجسيداً حياً لملحمة معمارية تستعد لاستقبال العالم في مونديال 2034.
هذا المشروع لا يمثل مجرد إضافة إلى قائمة الملاعب الدولية، بل هو فلسفة عمرانية تعيد تعريف علاقة المشجع بالمكان، وتؤكد أن الاستدامة والابتكار ليسا مجرد خيارات تجميلية، بل هما العمود الفقري لرؤية طموحة تسابق الزمن لتطويع المستحيل.
عند الغوص في التفاصيل الهندسية لهذا الصرح، نجد أن السعة التي تتجاوز 46 ألف متفرج ليست سوى البداية في رحلة من الإبهار التقني.
إذ يبرز “السقف المتحرك” كحل عبقري يجمع بين الانفتاح على نسيم البحر الأحمر والقدرة على التحكم الكامل في بيئة الحدث، مدعوماً بأنظمة تكييف متطورة تتحدى حرارة الصيف لتقدم تجربة استثنائية للمشجعين واللاعبين على حد سواء.
إن التحليل المتعمق لتصميم هذا الاستاد يكشف عن ذكاء في التخطيط يتجاوز حدود المستطيل الأخضر؛ فدمج “القرى المحيطة” متعددة الاستخدامات يحول المنشأة من “وجهة موسمية” إلى “قلب نابض” يتدفق بالحياة طوال العام، حيث تذوب الحدود بين السياحة والرياضة والترفيه في بوتقة واحدة تعزز من القيمة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة التاريخية بلمسة عصرية تليق بمستقبل جدة.
إن ما يميز “ملعب وسط جدة” هو ذلك التوازن الدقيق بين الهوية المكانية والمتطلبات العالمية، حيث يعكس المشروع إدراكاً عميقاً بأن الملاعب في العصر الحديث لم تعد مجرد منصات لمشاهدة المباريات، بل هي محركات للتنمية الحضرية وسفراء ثقافيون يحكون قصة التحول الوطني.

هذا التقدم المتسارع في أعمال البناء يبعث برسالة ثقة للمجتمع الدولي حول جاهزية المملكة وقدرتها على تقديم نسخة مونديالية غير مسبوقة، حيث تلتقي الضيافة العربية الأصيلة بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا، ليصبح الاستاد أيقونة بصرية تزيّن شاطئ العروس وتدعو العالم لاستكشاف سحر جدة الجديد، حيث يبدأ المستقبل من هنا، بملامح طموحة لا ترضى بغير التميز سقفاً لها.



