آخر الأخبار

سليمان الموريسكية: عبقرية الملاذ الأخير وتراتيل الطين الأندلسي في تونس

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تكن قوافل الموريسكيين المطرودة من الفردوس المفقود في القرن السابع عشر مجرد جموع منكسرة تبحث عن مأوى، بل كانت في الحلقات العميقة للتاريخ فيلقاً من صناع الحضارة الذين حملوا جينات قرطبة وغرناطة في ذاكرتهم، ليعيدوا زراعتها في التربة التونسية الخصبة كفعل مقاومة وجودي ضد النسيان.

وفي هذا الامتداد الجغرافي والروحي الذي اختزلته تظاهرة “طريق الأندلسيين” الثقافية في دورتها الخامسة والثلاثين لشهر التراث، وقفت مدينة “سليمان” كمحطة سادسة وقبل أخيرة، لتكشف عن فصل استثنائي من فصول الهوية والهندسة والمعمار، معلنةً عن نفسها كأحد أبرز الشواهد الحية على العبقرية الأندلسية التي رفضت الموت، واختارت أن تنبض بالحياة على ضفاف الوطن الجديد.

يتجاوز مسار “طريق الأندلسيين” كونه احتفالية سياحية عابرة، ليتحول إلى مشرحة بصرية وتحليلية لكيفية إعادة تشكيل المجال المكاني التونسي، فمن نقطة الانطلاق في “تستور” عبر “العالية” و”طبربة” و”قلعة الأندلس” وصولاً إلى قلب العاصمة، ثم “سليمان” ووصولاً إلى الختام في “زغوان”، يتجلى بوضوح كيف وزع الموريسكيون ثقلهم الحضاري بناءً على عبقرية الاستيطان والاستغلال الزراعي والمعماري.

في سليمان، يتخذ هذا التوزيع بعداً استراتيجياً تمازجت فيه الخصوصية العسكرية لحماية السواحل مع النزعة الفلاحية المتطورة، حيث تحولت المدينة تحت إشراف هؤلاء الوافدين من مجرد تجمع سكني بسيط إلى مركز حَضَري معقد التنظيم، يزاوج بين النمط المعماري المتوسطي والدفاعي، وهو ما يفسر اختيار شعار “التراث وفن العمارة” كخلفية فكرية لتفكيك هذا الإرث وتثمينه.

إن العمق البنيوي لمدينة سليمان لا يكمن فقط في خطوط شوارعها أو هندسة جوامعها ذات الصوامع المربعة المستوحاة من أجراس الكنائس الإسبانية وتحويراتها الإسلامية، بل يعيش في تلك الروح غير المادية التي تسكن أزقتها، فبين جدران دار الثقافة بالمدينة، حيث احتدمت نقاشات هذه المحطة الثقافية، تجلى التاريخ ككائن حي وليس كأرشيف مغلق.

يتجسد هذا الحضور الوجودي في الألقاب التي ما زالت عائلات المدينة تحملها بكبرياء مثل “البيرسو” و”الباشكوال” و”الرايشيكو” و”الماظور”، وهي أسماء ليست مجرد دلالات لغوية، بل هي شفرات جينية وحضارية نجت من محاكم التفتيش لتعبر البحر، وتتحول في تونس إلى سندات ملكية تاريخية تثبت وعي المدينة بجذورها، وتجعل من سليمان متحفاً بشرياً مفتوحاً يروي قصة التثاقف والاندماج السلس الذي صهر الهوية الأندلسية في البوتقة التونسية، ليخلق نموذجاً متميزاً من العمارة والفن والحياة اليومية الاستثنائية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *