جليلة كلاعي تونس
حين تُذكر تونس، يتبادر إلى الذهن ذلك المزيج الساحر بين زرقة المتوسط وعبق التاريخ الفينيقي، لكن الهوية التونسية الحقيقية تكمن في قدرتها الفذة على تحويل الفن إلى جسر عبور اقتصادي وسياحي يربط ضفتي العالم.

لم يعد الفعل الثقافي في أرض قرطاج مجرد مناسبات عابرة لملء الفراغ النخبوي، بل تحول إلى رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني، وهو ما تجلى بوضوح في الإعلان الاستباقي لوزارة الشؤون الثقافية التونسية عن مواعيد تنظيم المهرجانات الكبرى لعام 2026.
هذا الإعلان المبكر لا يمثل مجرد ضبط لجدول زمني، بل هو إعلان عن نضج تنظيمي ورؤية استشرافية تسعى إلى توطين “سياحة المهرجانات” كمنتج مستقل وقادر على جذب النخب الفنية والجمهور العربي والدولي على حد سواء، متجاوزاً المفهوم الكلاسيكي للسياحة الشاطئية الموسمية نحو سياحة ثقافية مستدامة على مدار العام.
تبدأ هذه الرحلة الإبداعية في مطلع الخريف مع الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية في الفترة الممتدة من الثالث إلى العاشر من أكتوبر، لتكون بمثابة البوابة التي تعبر منها الإيقاعات البديلة والمشاريع الموسيقية المجددة من إفريقيا والوطن العربي نحو العالمية.
تكمن الأهمية التحليلية لهذا المهرجان في كونه لا يستقطب المستمعين العاديين فحسب، بل يمثل منصة تلاقٍ للمنتجين ومديري المهرجانات الدولية، مما يحول العاصمة التونسية إلى سوق فنية مفتوحة ينعكس نشاطها مباشرة على نسب إشغال الفنادق وحركة الطيران والخدمات اللوجستية، واهتمام السائح العربي الباحث عن الأصالة والتجديد الموسيقي في آن واحد.
ومع اشتداد نسمات نوفمبر، تنتقل الشعلة الثقافية إلى ركح الدورة السابعة والعشرين لأيام قرطاج المسرحية، والتي تقام من الحادي والعشرين إلى الثامن والعشرين من ذلك الشهر تحت إدارة الفنان سليم الصنهاجي.
يحمل هذا الموعد أبعاداً سياحية وفكرية بالغة الأهمية، فالمسرح التونسي والعربي يمتلك جمهوراً وفياً ومستعداً للسفر من أجل مواكبة أحدث التيارات الدرامية والتجريبية.
إن توقيت المهرجان في أواخر الخريف يسهم بشكل مباشر في كسر جمود الموسم السياحي التقليدي، حيث تتحول قاعات العرض وشوارع العاصمة إلى مساحات حية للتفاعل الإنساني، مما يمنح الزائر العربي تجربة سياحية متكاملة تدمج بين متعة الاكتشاف المعماري للمدينة والتشبع بالوعي الفكري والجمالي الذي تطرحه العروض المسرحية.
وتكتمل هذه الثلاثية الفريدة في ديسمبر، الشهر الذي يترقبه عشاق الفن السابع بشغف كبير، حيث تفتتح الدورة السابعة والثلاثون لأيام قرطاج السينمائية أبوابها من الثاني عشر إلى التاسع عشر منه.
يعد هذا المهرجان الأعرق إفريقياً وعربياً بمثابة الحصان الرابح للدبلوماسية الثقافية والسياحية التونسية، فالسينما تمتلك قدرة سحرية على تسويق صورة البلاد وصناعة هويتها البصرية في الخارج.
إن تدفق المخرجين، والنقاد، والنجوم، والآلاف من محبي السينما في هذا التوقيت بالذات، يحول تونس إلى وجهة دافئة جاذبة للسياحة الثقافية الشتوية، حيث لا يقتصر العائد على شباك التذاكر، بل يمتد ليشمل تنشيط الدورة الاقتصادية للمطاعم، والمقاهي، والمواقع الأثرية، والصناعات التقليدية التي يقبل عليها الزوار.

إن هذه الهيكلة الزمنية الدقيقة والمنظمة التي وضعتها الوزارة تعكس وعياً عميقاً بمتطلبات التخطيط السياحي الحديث، فالإعلان عن المواعيد قبل وقت كافٍ يتيح لوكالات الأسفار العربية والدولية صياغة حزم سياحية متكاملة وموجهة لعشاق الفن.
لم تعد تونس تنتظر السائح، بل باتت تصنع الحدث الذي يجبر السائح على تدوينه في مفكرته السنوية، لتثبت مجدداً أن الثقافة هي القوة الناعمة التي تعيد رسم ملامح الجغرافيا السياحية وتمنحها روحاً متجددة تتجاوز حدود الفصول.



