آخر الأخبار

سيدي بوزيد ترسم خارطة البديل التنموي: كيف تتحول جغرافيا الهامش إلى عاصمة للسياحة الإيكولوجية والثقافية

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تكن جولة وزير السياحة التونسي، السيد سفيان تقية، في ربوع ولاية سيدي بوزيد، رفقة والي الجهة السيد فيصل بالسعودي ورئيس الجامعة التونسية المشتركة للسياحة السيد وليد طريطر، مجرد معاينة إدارية روتينية، بل مثلت إعلاناً صريحاً عن تحول استراتيجي في عقيدة الاستثمار السياحي التونسي.
إن هذه المحطة الميدانية الممتدة من عمق الآثار إلى قمم الواحات الجبلية، تكشف عن رغبة حقيقية في كسر نمطية الاقتصاد الريعي القائم على الفلاحة التقليدية، والاتجاه نحو تثمين رأس المال اللامادي والبيئي للمناطق الداخلية.


الزيارة وضعت الأصبع على الجرح التنموي للجهة، وحملت في طياتها رؤية متكاملة لدمج قطاعات التراث، والحرف، والبيئة، في دورة اقتصادية واحدة قادرة على إنتاج الثروة المستدامة وامتصاص البطالة الهيكلية التي تعاني منها المنطقة منذ عقود.

إن الانطلاقة من الموقع الأثري “البرج” بمعتمدية بئر الحفي تفكك شفرة التوجه الحكومي الجديد، فالأمر يتجاوز مجرد تأمل الشواهد التاريخية الصامتة إلى محاولة بعث الروح في “مسلك سياحي ثقافي” يعيد سيدي بوزيد إلى خارطة الحضارات الإنسانية.
هذا البعد الثقافي توازى فوراً مع زيارة القرية الحرفية بسيدي بوزيد الغربية، حيث تتحول أخشاب الزيتون المحلية بفضل مهارة الحرفيين الدقيقة إلى منتجات تصديرية ذات جودة عالية تشهد إقبالاً متزايداً في الأسواق الخارجية.

هذا الربط الذكي بين الإرث الأثري والصناعات التقليدية يمثل جوهر السياحة المستدامة، حيث لا يصبح السائح مجرد مستهلك للمشهد، بل شريك في دعم الاقتصاد المحلي وتحفيز الحرفيين على البقاء وتطوير مهاراتهم المتوارثة.

التنقل بعد ذلك إلى الضيعة الدولية 25 ومنها إلى الواحة الجبلية “عين هداج” بمعتمدية منزل بوزيان، ثم الحديقة الوطنية “بوهدمة” بالمزونة، ينقل التحليل إلى مستوى أعمق يتعلق بفرص “السياحة البديلة” والإيكولوجية.

إن هذه الفضاءات الطبيعية الفريدة لا تمثل فقط محميات بيولوجية، بل هي أصول اقتصادية غير مستغلة بالشكل الأمثل، قادرة على جذب سياحة العائلات وهواة المغامرات والاستكشاف.

الرهان الحقيقي الذي أثارته الزيارة هو كيفية تحويل هذه الجزر التنموية المتفرقة إلى “مسلك سياحي جهوي متكامل”، يتم ربطه لاحقاً بمسالك إقليمية قادرة على استقطاب السائح التونسي أولاً، ثم الانفتاح على الأسواق العالمية بعد تجهيزها بالبنية التحتية واللوحات التعريفية والمرافق الأساسية.

تكتمل الأبعاد التحليلية لهذه الجولة في اللقاء المباشر الذي جمع الوزير بالمستثمرين والشباب أصحاب المبادرات في مجالات التنشيط والسياحة البديلة، إذ يعكس هذا اللقاء تبني مقاربة “القرب” وتفكيك المعوقات البيروقراطية لتشجيع المبادرات المحلية.
إن الدولة تدرك اليوم أن التنمية لا يمكن أن تُسقط من الأعلى بقرارات فوقية، بل تولد من حماس الشباب والمستثمرين المحليين الذين يحتاجون إلى تبسيط الإجراءات والمرافقة المستمرة.

كما أن التوجه نحو صياغة برامج تكوينية لفائدة “أدلاء سياحيين محليين” من أبناء الجهة يمثل حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية؛ فهم الأقدر على رواية قصة الأرض، والتعريف بموروثها، وضمان جودة الخدمات، مما يفتح آفاقاً تشغيلية حقيقية للشباب ويحول سيدي بوزيد من مجرد منطقة عبور جغرافية إلى وجهة سياحية قائمة بذاتها ومستقطبة للزوار.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *