اسماء الشهري : السعوديه _جده
تعُد قرية المدانة واحدةً من أجمل الكنوز التراثية المختبئة بين جبال الجنوب السعودي، حيث تمتزج الطبيعة الخلابة بروح الماضي العريق في لوحةٍ تأسر القلوب قبل العيون. هناك، في أعالي جبال محافظة النماص بمنطقة عسير، تستيقظ الحكايات القديمة بين البيوت الحجرية العتيقة، وتهمس الأزقة التراثية بأصالة المكان وعراقة الإنسان.

تقع قرية المدانة شمال محافظة النماص ضمن مركز وادي زيد في منطقة عسير جنوب المملكة العربية السعودية، وتتميّز بإطلالاتها الساحرة على سهول تهامة وجبال السروات الشامخة، مما يجعلها من أبرز الوجهات الريفية والتراثية في المنطقة. ويمنحها موقعها الجغرافي طبيعةً استثنائية تجمع بين الخضرة والمرتفعات والهواء العليل، لتبدو وكأنها قطعة من الجمال معلّقة فوق الغيوم.
أما الوصول إليها فهو رحلة بحد ذاتها مليئة بالمشاهد المبهرة؛ إذ يمكن الوصول إلى القرية عبر الطرق المؤدية إلى محافظة النماص، ثم التوجه نحو مركز وادي زيد حيث تستقر المدانة بين أحضان الجبال. وكلما اقترب الزائر منها، شعر وكأنه يعبر بوابةً إلى زمنٍ جميل لم تعبث به الحداثة.

وتشتهر القرية بطقسها المعتدل والمنعش، خصوصًا في فصل الصيف، حيث تنخفض درجات الحرارة مقارنة بكثير من مناطق المملكة، فتغدو ملاذًا للهاربين من حر الصيف وضجيج المدن. أما الشتاء فيها فهادئ وبارد تكسوه السحب والضباب في مشهدٍ يأسر الأرواح ويمنح الزائر شعورًا نادرًا بالسكينة.
وتنبض المدانة بالحياة رغم طابعها التراثي، إذ يقطنها نحو ألفي نسمة حافظوا على هوية القرية بكل حب واعتزاز، وأسهموا في ترميم بيوتها القديمة والحفاظ على مزارعها ومساراتها التاريخية، حتى أصبحت نموذجًا حيًا للسياحة الريفية الأصيلة في السعودية. كما استقبلت القرية خلال العام الماضي أكثر من 40 ألف زائر، في دلالة واضحة على جمالها المتفرد ومكانتها المتنامية على خارطة السياحة السعودية.

ومن أبرز ما يميز المدانة طبيعتها الزراعية الساحرة، حيث تنتشر المدرجات الزراعية على سفوح الجبال، وتشتهر بزراعة القمح والشعير والذرة والعدس المحلي المعروف باسم “البلسن”، إضافة إلى نوع تراثي نادر من الحبوب يُعرف بـ«المابية»، والذي يُعد جزءًا أصيلًا من تراث المنطقة الزراعي.
أما المائدة في قرية المدانة فهي حكاية أخرى من الكرم والنكهة الجنوبية الأصيلة؛ إذ تشتهر بالأكلات الشعبية الشهية مثل:
* العريكة الجنوبية بطعمها الدافئ الغني بالعسل والسمن.
* الحنيذ والمندي المطهوَّين على الطريقة التقليدية.
* خبز التنور والمرقوق البلدي.
* العصيدة والعسل الجبلي الطبيعي.
* القهوة الجنوبية المعطرة بالهيل والتي تُقدَّم بكرمٍ يليق بأهل عسير.

وفي المدانة لا يزور الإنسان مكانًا فحسب، بل يعيش تجربةً كاملة من الدفء والجمال والتراث؛ فكل حجر فيها يروي قصة، وكل نسمة هواء تحمل عبق الماضي، حتى يشعر الزائر أن الزمن هناك يمشي ببطء ليمنحه فرصةً حقيقية للاستمتاع بجمال الحياة وبساطتها. إنها قريةٌ تخطف الأنظار، وتبقى محفورةً في الذاكرة كقصيدةٍ جنوبيةٍ لا تُنسى



