د.أمل الرويلي – الرياض
في عالمٍ يموج بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، تخطو المملكة العربية السعودية بثقة وثبات نحو صياغة نموذج تنموي فريد، يتجاوز المفاهيم التقليدية للاقتصاد الريعي ليؤسس لمرحلة “السيادة التنموية الشاملة”. وفي قلب هذا الحراك التاريخي المرتكز على “رؤية 2030″، يقف قطاع السياحة ليس مجرد رافدٍ استثماري عابر، بل كمحرك استراتيجي لإعادة تموضع المملكة على خارطة التأثير الدولي، وبناء جسورٍ دبلوماسية وثقافية راسخة مع العالم.
لغة الأرقام: قفزات قياسية تتجاوز المستهدفات
إن التحول الهيكلي الذي يشهده الاقتصاد السعودي اليوم لم يعد مجرد خطط نظرية، بل تتحدث عنه لغة الأرقام الصارمة؛ إذ نجحت المملكة في تجاوز مستهدفات الرؤية قبل موعدها بخمس سنوات، حيث ارتفع إجمالي عدد السياح (المحليين والوافدين) من 63 مليون سائح عام 2016 ليصل إلى 123 مليون سائح بنهاية عام 2025. هذا التدفق البشري الهائل واكبه نمو مالي غير مسبوق، إذ سجل الإنفاق السياحي رقماً قياسياً تاريخياً بلغ نحو 304 مليارات ريال، محققاً فائضاً كبيراً في قطاع السفر السعودي يقدّر بـ 50 مليار ريال. هذه المؤشرات ليست مجرد قفزات مالية، بل هي حواضن جاذبة للاستثمار الأجنبي وتوطين المعرفة، وتؤكد قدرة المملكة على قيادة دفة النمو الاقتصادي المستدام عالمياً؛ حيث تصدرت دول العالم في نسبة نمو إيرادات السياح الدوليين.
الدبلوماسية الناعمة وثقافة الانفتاح المسؤول
تتجاوز السياحة في المفهوم السعودي الأبعاد المادية لتصبح أداة بليغة من أدوات “الدبلوماسية الناعمة”. إن انفتاح المملكة على العالم واستقبالها للملايين من مختلف الثقافات يمثل رسالة سلام وتسامح حية؛ حيث يلتقي الزائر بالهوية العربية والإسلامية الأصيلة في ثوبها المعاصر. هذا التفاعل الإنساني المباشر يسهم في تبديد الصور النمطية، ويقدم للعالم نموذجاً حياً للمواطن السعودي الشاب، الشغوف ببلده، والمؤهل لقيادة المستقبل، والمتمسك في الوقت ذاته بإرثه وقيمه الراسخة.
أمن الزائر وموثوقية المنظومة: ركيزة الاستدامة
وفي قراءة عميقة لمقومات النجاح السياحي العالمي، يبرز “أمن الإنسان وسلامته” كركيزة أساسية لا تنفصم عن جودة التجربة الاستثمارية والسياحية. واليوم، يتجاوز معدل إشغال الفنادق والوحدات السكنية عتبة الـ 57% مع اتساع الطاقة الاستيعابية، وهو ما تطلب بنية تحتية خدمية فائقة الكفاءة. إن التميز المشهود للمملكة في إدارة الحشود، مدعوماً ببنية تحتية صحية بالغة الكفاءة ومنظومة استجابة طوارئ طبية تضاهي أعلى المعايير الدولية، يمثل صمام الأمان الحقيقي لهذه النهضة.
إن الطمأنينة التي يستشعرها الزائر على أرض المملكة – سواء على مستوى الأمن العام أو السلامة الطبية الفورية – هي التي تمنح الوجهات السعودية ميزتها التنافسية الكبرى، فالاقتصاد المستدام لا يبنى إلا على أرضية صلبة من الأمان والاستقرار ،صياغة الغد بروح الريادة .

إن قصة النجاح السعودية الحديثة هي برهان ساطع على أن الرؤى العظيمة تتحقق عندما تتكامل الإرادة السياسية مع الطاقات الوطنية المبدعة التي تجاوزت اليوم مليون مشتغل في قطاع السياحة والضيافة. إن المملكة لا تستثمر في حاضرها فحسب، بل تصيغ إرثاً للأجيال القادمة، مؤكدةً أن النهضة الاقتصادية والسياحية هي امتداد طبيعي لدورها التاريخي كمركز ثقل إقليمي ودولي، ومنارة تجمع شعوب العالم على أرض المعرفة، والسلام، والازدهار المشترك.



