آخر الأخبار

تونس تكتب تاريخاً جديداً في كتاب الجيولوجيا العالمي: “الظاهر” نبض الصحراء يعانق اليونسكو

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تتأمل جبال الجنوب التونسي، لا ترى مجرد صخور صامتة ألقتها الطبيعة في جوف الصحراء، بل تقرأ صفحاتٍ مفتوحة من كتاب عمره ملايين السنين، يروي كيف تشكلت الأرض وتغيرت ملامحها قبل أن يستوطنها الإنسان.

من هذا العمق الضارب في التاريخ، انتزعت معتمدية “بني خداش” اعترافاً دولياً استثنائياً، حيث أشرف وزير السياحة التونسي سفيان تقية على احتفال رسمي مهيب، أعلن فيه رسمياً انضمام الحديقة الجيولوجية “الظاهر” إلى الشبكة العالمية للحدائق الجيولوجية لمنظمة اليونسكو، ليكون هذا الإدراج الأول من نوعه في تاريخ تونس، والثالث على مستوى القارة الإفريقية بأكملها، في خطوة لا تمثل مجرد تتويج شرفي، بل ولادة حقيقية لعهد سياحي جديد يقوم على الاستدامة واحترام الهوية البيئية.

إن هذا الإنجاز ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة قراءة عميقة لما تملكه هذه المنطقة من ثروات خفية تتجاوز مفهوم السياحة الشاطئية التقليدية التي ميزت تونس لعقود.

تمتد حديقة “الظاهر” على مساحة جغرافية هائلة تناهز ستة آلاف كيلومتر مربع، وتتوزع بذكاء طبيعي بين ثلاث ولايات عريقة هي مدنين، وتطاوين، وقابس، مما يجعلها أشبه بمتحف مفتوح على الهواء الطلق.

القيمة التحليلية لهذا التصنيف تكمن في قدرته على إعادة صياغة الخارطة الاستثمارية للجنوب التونسي، فالمنطقة لم تعد تُصنف كأراضٍ قاحلة، بل كخزان جيولوجي فريد يضم طبقات رسوبية نادرة، ومستحثات تعود إلى العصور الجيولوجية الغابرة، بجانب القصور الصحراوية العتيقة والمعالم الحفرية التي نحتها الإنسان في قلب الجبال ليتأقلم مع قسوة المناخ.

تتعدى أبعاد هذا الحدث الجانب العلمي البحت لتلامس جوهر التنمية المحلية المستدامة، وهي الركيزة التي تبنى عليها استراتيجيات السياحة البديلة اليوم.
إن دمج التنوع الجيولوجي بالموروث الثقافي والاجتماعي لسكان بني خداش ومحيطها، يخلق نموذجاً اقتصادياً حيوياً يعتمد على “سياحة المعرفة والاستكشاف”.


هذا الاعتراف الدولي من اليونسكو سيتحول بالضرورة إلى مغناطيس يجذب الباحثين، والمستكشفين، وعشاق الطبيعة من مختلف أنحاء العالم، مما يفتح آفاقاً تشغيلية واسعة لأبناء المنطقة من خلال تطوير دور الضيافة، والمسارات السياحية الجبلية، وصيانة الحرف التقليدية، ليتأكد للجميع أن الاستثمار في المظاهر الطبيعية البكر هو الرهان الأضمن لبناء اقتصاد مرن وقادر على الصمود.

في ختام هذا المشهد الاحتفالي الفارق، يتضح أن تونس لا تسوق من خلال حديقة “الظاهر” لمنتج سياحي عابر، بل تقدم للعالم نموذجاً ملهماً في كيفية تحويل التحديات الجغرافية إلى مكاسب حضارية واقتصادية.

إن اعتراف اليونسكو هو بمثابة صك أمان عالمي يفرض على الدولة والمجتمع المدني مسؤولية مضاعفة لحماية هذا الإرث وتطويره، لتبقى أرض الظاهر شاهداً حياً على عبقرية المكان، وعزيمة الإنسان، وتنوع تونس التي لا تكف عن إبهار العالم بكنوزها المخفية بين الرمال والصخور.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *