آخر الأخبار

تونس الخضراء ترسم ملامح سياحة المستقبل: كيف يحول برنامج “غرينوفي” وجهة قرطاج نحو الاستدامة البيئية

شارك

جليلة كلاعي تونس

في عالمٍ باتت فيه البيئةُ المعيارَ الأوّلَ والمُحدّدَ الأساسي لخيارات المسافر العربي والعالمي، لم يعد التحول البيئي مجرد خيار ترفي للمنشآت السياحية، بل أضحى طوق نجاة واستراتيجية بقاء حتمية.
تونس، تلك الوجهة التاريخية النابضة بالحياة والتي طالما سحرت زوارها بشواطئها الممتدة وواحاتها الغنّاء، تدرك اليوم أن الحفاظ على سحرها يمر عبر تبني ثورة خضراء حقيقية.
يأتي إطلاق الدعوة الثالثة لإبداء الاهتمام في إطار برنامج “غرينوفي” المدعوم من الاتحاد الأوروبي، وبشراكة نموذجية بين وكالة الخبرة الفنية الدولية بفرنسا ومركز تونس الدولي لتكنولوجيا البيئة، ليمثل نقطة تحول استراتيجية تتجاوز مجرد الدعم المالي التقليدي، لتؤسس لنموذج سياحي واقتصادي مستدام وقادر على الصمود أمام التغيرات المناخية المتسارعة.

إن العمق التحليلي لهذه المبادرة يتجلى في فهمها الدقيق لبنية الاقتصاد السياحي والحرفي التونسي، حيث يستهدف البرنامج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى الحرفيين الذين يشكلون العمود الفقري لقطاع الصناعات التقليدية المرتبط عضوياً بالجذب السياحي.
الرؤية هنا لا تقف عند حدود تقديم الدعم اللوجستي، بل تبدأ بتشخيص علمي عميق يمس عصب الاستدامة: إدارة النفايات، ترشيد الطاقة، والإدارة المستدامة للمياه.
بالنسبة لقطاع الفندقة والضيافة، فإن هذه المحاور الثلاثة تمثل جوهر الكفاءة التشغيلية؛ فالمؤسسة التي تنجح في تدوير مياهها وتقليص بصمتها الكربونية لا تحمي الطبيعة التونسية الخلابة فحسب، بل ترفع من قيمتها السوقية وتجذب شريحة سياحية واعية ومستعدة لإنفاق المزيد مقابل تجارب سفر صديقة للبيئة.

يمثل هذا التحرك التونسي المدعوم دولياً استجابة ذكية لمتطلبات “السياحة المسؤولة” التي تعيد صياغة مفاهيم السفر في المنطقة العربية والعالم.
من خلال تمويل مشاريع التحول البيئي بسقف يصل إلى ستين ألف يورو، يمنح البرنامج قبلة الحياة للمنشآت التي عانت من كلف التشغيل المرتفعة، ويحولها من مستهلك مستنزف للموارد إلى شريك في حمايتها.


هذا البعد الهيكلي سيسهم في خلق هوية سياحية جديدة لتونس، تتجاوز الصورة النمطية لسياحة الشواطئ نحو سياحة بيئية وثقافية مستدامة، تحافظ على إرث الأجيال القادمة وتنعش المجتمعات المحلية والمجموعات الحرفية التي تمنح السياحة التونسية روحها وأصالتها.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *