أوزبكستان ـ محمد قنديل
تستضيف العاصمة التركية أنقرة، يومي 29 و30 أكتوبر 2026، قمة رؤساء دول منظمة الدول التركية (OTS)، بالتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة لتحول المنظمة إلى منظمة دولية متكاملة الأركان. وقد أسهم هذا التحول في توسيع نطاق أجندتها وتعزيز الطابع العملي للتعاون بين الدول الأعضاء، لا سيما في مجالات التجارة والتنمية الاقتصادية والنقل والخدمات اللوجستية والاستثمار.
ومنذ انضمامها إلى المنظمة، طرحت أوزبكستان أكثر من 85 مبادرة تهدف إلى تعزيز التعاون العملي بين الدول الأعضاء. وتستند مشاركة طشقند الفاعلة في أنشطة المنظمة إلى مصالحها الاقتصادية، والروابط الجغرافية التي تجمع الدول الأعضاء، فضلًا عن التوافق التام بين المبادئ التي تقوم عليها المنظمة والسياسة الخارجية متعددة الاتجاهات التي تنتهجها أوزبكستان.
وفي هذا السياق، تنظر أوزبكستان إلى منظمة الدول التركية باعتبارها منصة فعالة لتنويع علاقاتها الاقتصادية الدولية، وتوسيع نطاق الوصول إلى أسواق التصدير، وتطوير شبكة واسعة من ممرات النقل، والمضي قدمًا في تنفيذ المشروعات الاستثمارية المشتركة.
ويُعد التزام المنظمة بمبادئ المساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والاحترام المتبادل لسيادة الدول وسلامة أراضيها أحد العوامل الأساسية التي تعزز أهميتها. كما تتبنى المنظمة أجندة عملية قائمة على المصالح المشتركة، ولا تستهدف أي دولة ثالثة، الأمر الذي يوفر أساسًا متينًا لإقامة شراكات تحقق المنفعة المتبادلة.
وتكتسب المنظمة أهمية إضافية بفضل الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها الدول الأعضاء مجتمعة، إذ تتجاوز مساحتها الإجمالية 4.25 مليون كيلومتر مربع، ويزيد عدد سكانها على 170 مليون نسمة. وفي عام 2025، بلغ إجمالي الناتج المحلي الاسمي لهذه الدول نحو 2.3 تريليون دولار أمريكي، فيما تجاوز إجمالي تجارتها الخارجية 1.2 تريليون دولار.
وتوفر هذه المؤشرات أساسًا واعدًا لتعميق التعاون التجاري والاقتصادي، وتعزيز الترابط بين القطاعات الإنتاجية، وزيادة الاستثمارات المتبادلة بين الدول الأعضاء.
وفي إطار رؤيتها الاستراتيجية، تركز أوزبكستان بصورة متواصلة على أربعة محاور رئيسية للتعاون داخل المنظمة.
أولًا: تعميق التعاون الاقتصادي
يتمثل الهدف الرئيسي في العمل تدريجيًا على إنشاء منطقة للتجارة الحرة، تتيح حرية حركة السلع ورؤوس الأموال والتكنولوجيا بين الدول الأعضاء.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة لأوزبكستان، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع الدول التركية. ففي عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين أوزبكستان والدول الأعضاء في المنظمة 9.607 مليارات دولار أمريكي، بما يمثل نحو 12% من إجمالي تجارتها الخارجية.
ومع ذلك، فإن الفوائد الاقتصادية للتكامل في إطار منظمة الدول التركية لا تعتمد فقط على حجم التبادل التجاري بين أعضائها، وإنما ترتبط أيضًا بمدى اندماج شركات هذه الدول في سلاسل الإنتاج والقيمة المشتركة.
ويوفر التكامل بين الهياكل الاقتصادية للدول الأعضاء أساسًا ملائمًا لتعزيز هذا التوجه. فتركيا تتمتع بقاعدة صناعية متطورة في مجالات صناعة الآلات والسيارات والمعدات الكهربائية والمنسوجات والصناعات الكيميائية. وتمتلك كازاخستان وأذربيجان موارد كبيرة من الطاقة، إلى جانب صناعات متقدمة في مجالي التعدين والصناعات البتروكيماوية.
أما أوزبكستان، فتشهد تطورًا متسارعًا في صناعات النسيج والملابس والمعدات الكهربائية والسيارات والمواد الكيميائية والصناعات الغذائية والمعادن غير الحديدية. وتكمل قيرغيزستان هذه القدرات الإنتاجية المشتركة من خلال إمكاناتها في الصناعات الخفيفة والقطاع الزراعي.
ومن الأمثلة البارزة على التعاون الصناعي المشترك الاتفاق المبرم بين أوزبكستان وأذربيجان لإنشاء مصنع للسيارات في منطقة حاجي قابول بأذربيجان، يشمل دورة الإنتاج الكاملة، ومن المقرر أن يبدأ تشغيله في منتصف عام 2027.
ومن أجل توسيع نطاق هذه المبادرات، تدعو أوزبكستان باستمرار إلى إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وتوحيد اللوائح الفنية، ورقمنة الإجراءات الجمركية.
وقد جددت طشقند تأكيد التزامها بهذا التوجه خلال قمة قبالا، التي عُقدت في خريف عام 2025، حيث اقترحت أوزبكستان إنشاء مجلس دائم للدول التركية للشراكة الاقتصادية.
وتهدف هذه المبادرة إلى توطين الإنتاج وتطوير سلاسل قيمة مرنة ومتكاملة. وفي سبيل ترجمة هذه الأهداف الطموحة إلى واقع عملي، يجري تفعيل آليات فعالة للتعاون الاقتصادي، من بينها اتفاقية الشراكة في الاقتصاد الرقمي، التي تشمل التجارة الإلكترونية، إلى جانب التبسيط التدريجي للإجراءات الجمركية، بما يدعم التحول الرقمي في التجارة.
كما شكّل الإطلاق الناجح لصندوق الاستثمار التركي، برأس مال مصرح به يبلغ 500 مليون دولار أمريكي، قاعدة مالية مهمة لتنفيذ المشروعات الاستثمارية المشتركة، وتحديث سلاسل الإنتاج، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير البنية التحتية اللوجستية والابتكار. وكانت أوزبكستان من بين الدول المؤسسة الرئيسية لهذا الصندوق.
وبوجه عام، من شأن تعزيز الروابط الاقتصادية والصناعية والاستثمارية بين الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية أن يسهم في إنشاء تجمعات إنتاجية تنافسية تحقق قيمة مضافة أعلى، وتحد من التعرض للصدمات الاقتصادية الخارجية، وتعزز القدرة على الصمود والاستدامة على المدى الطويل.
ثانيًا: توسيع الترابط في قطاع النقل
تعكس هذه الأولوية سعي أوزبكستان إلى تجاوز التحديات الناجمة عن موقعها الجغرافي بوصفها دولة غير ساحلية، والاستفادة من التعاون في إطار منظمة الدول التركية لتنويع مسارات تجارتها الخارجية. كما يُعد تطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية عنصرًا أساسيًا لتعميق التعاون الاقتصادي والصناعي.
ويُولى اهتمام خاص بدعم «الممر الأوسط»، الذي يعبر بحر قزوين ويمر عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا وصولًا إلى الأسواق الأوروبية.
ويؤكد النمو المتواصل في حجم شحنات البضائع الأوزبكية الأهمية المتزايدة لهذا المسار، حيث تضاعفت أحجام الشحن المنقولة عبره بحلول عام 2025 مقارنة بمستوياتها قبل خمس سنوات، وهو ما يشير إلى تحوله تدريجيًا إلى جزء أساسي من الشبكات اللوجستية للشركات الأوزبكية.
كما يعزز مشروع إنشاء خط السكك الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان الأهمية الاستراتيجية لهذا المسار بالنسبة لطشقند. ومن شأن ربط هذا الخط بممر النقل العابر لبحر قزوين أن يوسع دور أوزبكستان ضمن شبكة الخدمات اللوجستية الممتدة من الشرق إلى الغرب، والتي تربط الصين وآسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا.
ولا يقتصر مفهوم ممر النقل الحديث على إنشاء الطرق وخطوط السكك الحديدية فحسب، بل يشمل أيضًا تطوير الإجراءات والأنظمة المرتبطة بحركة البضائع. إذ تعتمد أوقات العبور وتكاليف النقل بدرجة كبيرة على إجراءات المعابر الحدودية والتصاريح والإقرارات الجمركية ومستندات الشحن وأنظمة تتبع البضائع. ولهذا تحتل الرقمنة مكانة متميزة في أجندة المنظمة المتعلقة بقطاع النقل.
وفي هذا الإطار، تدعو أوزبكستان إلى اعتماد أدوات تكنولوجية متقدمة، من بينها سندات الشحن البري الدولية الإلكترونية (e-CMR) والتصاريح الإلكترونية (E-Permit)، بهدف الحد بصورة ملموسة من الأعباء الإدارية وتقليص الوقت اللازم لعمليات نقل البضائع.
وفي 23 أبريل 2026، وخلال الاجتماع التاسع لوزراء النقل في الدول الأعضاء بمنظمة الدول التركية، الذي عُقد في العاصمة القيرغيزية بيشكيك، تم توقيع مذكرة بشأن تطبيق نظام سندات الشحن البري الدولية الإلكترونية (e-CMR).
وخلال القمة غير الرسمية التي عُقدت في مدينة تركستان في مايو 2026، أشار رئيس جمهورية أوزبكستان إلى أن نظام التصاريح الإلكترونية (E-Permit) أصبح يعمل بكامل طاقته بين أوزبكستان وجميع الدول الأعضاء في المنظمة.
كما اقترح ربط «الممر الأوسط» بخط السكك الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان، والمضي قدمًا في تطوير مشروع «الممر الجمركي المبسط»، إلى جانب رقمنة تبادل البيانات وأنظمة تتبع الشحنات.
ثالثًا: تعزيز التعاون في مجال الطاقة
يهدف التعاون بين الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية في قطاع الطاقة إلى تنويع مسارات نقل الموارد الهيدروكربونية، فضلًا عن دعم التحول المشترك واسع النطاق نحو اقتصاد يعتمد على مصادر الطاقة المتجددة، استجابةً للتحديات المرتبطة بالتغير المناخي العالمي.
ويحظى قطاع الطاقة الخضراء باهتمام خاص، نظرًا إلى ما يوفره التعاون المشترك في هذا المجال من فرص جديدة لتصدير الطاقة النظيفة إلى الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، دعا رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، خلال قمة قبالا عام 2025، إلى الانتقال من الحوار التقليدي في مجال الطاقة إلى إقامة شراكة استراتيجية في مجال الطاقة الخضراء.
وأكد أهمية استحداث النظام الإلكتروني «الممرات الخضراء للدول التركية»، بهدف زيادة حجم التجارة بين الدول الأعضاء وتنسيق اللوائح الفنية، فضلًا عن إنشاء «اتحاد للتحول الأخضر» لتنفيذ مشروعات مشتركة في قطاع الطاقة النظيفة.
وانطلاقًا من هذا التوجه، اتخذت طشقند خطوات عملية ملموسة، من بينها دعم توقيع اتفاقية مع كازاخستان وأذربيجان لمد كابل كهربائي بحري عبر بحر قزوين، بهدف تصدير الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة الخضراء إلى أوروبا.
كما تجسدت هذه الرؤية المستقبلية في المقترح الذي قدمه الرئيس الأوزبكي خلال القمة غير الرسمية المنعقدة في مدينة شوشا عام 2024، بشأن إنشاء «المجلس البيئي للدول التركية».
وتهدف هذه المبادرة إلى وضع آليات منهجية لمعالجة التحديات الملحة المتعلقة بإدارة الموارد المائية، بما في ذلك القضايا المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتطوير الطاقة الكهرومائية.
وفي الوقت ذاته، يشهد التعاون مع الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية في مجال الطاقة المتجددة توسعًا ملحوظًا.
وتشمل مجالات التعاون الواعدة مع كبرى شركات الطاقة التركية، بما فيها «Çalık Holding» و«Aksa Enerji» و«GÜRİŞ» و«Cengiz Enerji»، إنشاء محطات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتطوير أنظمة تخزين الطاقة، وتحسين كفاءة البنية التحتية لقطاع الطاقة.
رابعًا: تعزيز التعاون الثقافي والروابط بين الشعوب
تنظر أوزبكستان إلى التراث الثقافي المشترك للدول الأعضاء في منظمة الدول التركية باعتباره رصيدًا حضاريًا حيًا يمكن توظيفه في تطوير العلوم والابتكار ورأس المال البشري، فضلًا عن ترسيخ أسس مستدامة للتكامل بين هذه الدول.
وخلال قمة منظمة الدول التركية التي استضافتها مدينة سمرقند عام 2022، أكد رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف:
«إننا نفخر بحق بأسلافنا العظام المشتركين، الذين قدموا إسهامات بارزة في التاريخ العريق للعالم التركي. وإن الحفاظ على إرثهم الذي لا يُقدر بثمن، ودراسته بعمق، ونقله إلى الأجيال القادمة، يُعد مهمة بالغة الأهمية تقع على عاتقنا جميعًا».
وتُترجم هذه الرؤية إلى مبادرات عملية من خلال أنشطة المؤسسات المتخصصة، وفي مقدمتها المنظمة الدولية للثقافة التركية (TURKSOY)، والأكاديمية التركية، ومؤسسة الثقافة والتراث التركي.
كما تشمل المبادرات البارزة في هذا المجال الاختيار السنوي لـ«العاصمة الثقافية للعالم التركي»، وهو اللقب الذي مُنح لمدينة خيوة التاريخية في أوزبكستان لعام 2020، إلى جانب التنظيم المنتظم لـ«ألعاب البدو العالمية»، وتنفيذ المشروع السياحي المشترك «طريق الحرير الحديث».
وقد منحت أوزبكستان هذا التوجه بُعدًا مؤسسيًا إضافيًا من خلال مبادرتها لإنشاء «جائزة علي شير نوائي الدولية» المرموقة التابعة لمنظمة الدول التركية، والتي تُمنح «تقديرًا للإسهام في وحدة العالم التركي».
وفي المجمل، تنظر أوزبكستان إلى منظمة الدول التركية بوصفها آلية مهمة لتوسيع علاقاتها في مجالات التجارة والتنمية الاقتصادية والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والثقافة وتعزيز التواصل بين الشعوب.
ومن شأن تحقيق تقدم ملموس في هذه المجالات أن يسهم في الاستفادة الكاملة من إمكانات المنظمة، وتعزيز الترابط الإقليمي، وإيجاد فرص إضافية لخدمة المصالح الوطنية لأوزبكستان.
وعليه، ستواصل منظمة الدول التركية الاضطلاع بدور مهم في السياسة الخارجية متعددة الاتجاهات التي تنتهجها أوزبكستان، وفي تطوير التعاون القائم على المنفعة المتبادلة مع بقية الدول الأعضاء.



