آخر الأخبار

الأحساء.. هل تُصدق أنَّ في قلبِ الصحراءِ جنة؟

شارك

جليلة كلاعي تونس

تخيل أنك تقفُ حائرًا بين عالمين؛ خلف ظهرك فيافي الصحراء بصمتها المهيب، وأمام عينيك بحرٌ أخضر من النخيل لا يدرك المدى منتهاه. هنا في الأحساء، انكسرت قوانين الطبيعة لتولد معجزة؛ حيث تفجرت الأرض عيونًا، ونطق الصخر فنًا في جبل القارة، واحتضنت القلاعُ حكايات الملوك. فهل أنت مستعدٌ لترك العالم خلفك، لتدخل بوابة الزمان في أضخم واحةٍ عرفها التاريخ؟
بأقلامٍ تَغمسُ مِدادَها في مَحابرِ التاريخ، نكتُبُ عن هذه المملكةُ الخضراء القابعة في خاصرة الجزيرة العربية، وكأنها قصيدةٌ نَظمَها الخالقُ في قلبِ الرمال.


يا لَهذا المشهدِ المهيب! أهي أرضٌ أم بستانٌ سرمدي؟ هنا، حيثُ تتعانقُ ملايينُ النخيلِ مع السماء، نجدُ “هجر” القديمة وقد ارتدت حُلّةً من السندسِ، تتباهى بعيونِ مائها التي تتفجرُ كأنها دموعُ الفرحِ في عيونِ الصحراء. إنها ليست مجرد محافظة، بل هي إرثٌ عالمي نَقشتهُ اليونسكو بماءِ الذهب، اعترافاً بعبقريةِ إنسانٍ طوّع الصخرَ والماء ليخلقَ جنةً من لا شيء.

تأملوا معي قصورَها وقِلاعَها؛ فقصرُ إبراهيم يقفُ شامخاً كحارسٍ أمين، يحكي لليالي عن بطولاتِ الأجدادِ وعظمةِ الملوك الذين جعلوا من هذه الواحةِ منارةً للعلمِ والتجارة.


وفي سوق القيصرية، يفوحُ عبيرُ البخورِ والقهوةِ الحساوية، فتسمعُ في جَنباته صدى أصواتِ الباعةِ وهم ينسجونَ من خيوطِ “البشوت” المذهّبة حكاياتِ الجاهِ والكرم.
لا تكتمل الرحلة دون دخول مغارات جبل القارة الأسطوري؛ حيث ستشعر ببرودة الأجواء الطبيعية في عزّ الظهيرة، وتُشاهد كيف نحتت الرياح والماء زوايا هندسية تبدو كأنها من كوكب آخر.


يا لَجمالِ الطبيعةِ حين تتحدث! من هذا الجبل الذي نحتتهُ الرياحُ كقلعةٍ من الخيال، إلى “بحيرة الأصفر” التي ترقدُ بين الرمالِ الذهبية كمرآةٍ تعكسُ وجهَ القمر.
الأحساءُ اليوم، في ظلِ رؤيةٍ طموحة، لم تعد فقط سلةَ غذاءٍ وكنزاً تراثياً، بل غدت وجهةً سياحيةً عالمية، تجمعُ بين أصالةِ الماضي ووهجِ المستقبل. إنها لا تُزارُ فحسب، بل تُعاش؛ هي حكايةٌ تُروى للأجيال، عُنوانها الصبر، وفصولها النماء، وخاتمتها حُبٌّ لا ينتهي لأرضٍ باركها الله وجعلها لؤلؤةً في تاجِ الوطن.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *