جليلة كلاعي ـ تونس
تبشر أعيادنا العربية والإسلامية بمهرجانات من القيم الإنسانية التي تتجاوز حدود الاحتفال الديني المعتاد، لتصبح في جوهرها لغة بليغة للتعبير عن الحب، التقدير، والتكافل الاجتماعي.
وفي قلب هذا المشهد السنوي البهيج، تبرز “العيدية” و”حق الملح” كأيقونتين تختصران فلسفة العطاء والامتنان؛ فبينما تلون العيدية براءة الطفولة ببريق النقد والذهب، يأتي حق الملح ليكرم رفيقة الدرب في مشهدٍ يعكس رقي الوفاء العربي الأصيل.
إن هذه التقاليد ليست مجرد طقوس عابرة، بل هي ميثاق مودة يربط الأجيال برباط من السعادة المادية والمعنوية، محولاً العيد إلى مساحة رحبة تتجلى فيها أسمى معاني التقدير الإنساني.
تعتبر العيدية صولجان البراءة ومفتاح البهجة الأول في يد الطفل؛ فهي ليست مجرد دراهم تُنفق، بل هي صك اعتراف بكيانه ومكافأة رمزية لصبره ومشاركته فرحة الصيام.
تاريخياً، تعود هذه العادة إلى العصر الفاطمي حيث كانت تُعرف بـ “التوسعة”، واليوم تظل هي الرسالة التي يكتبها الكبار بمداد الكرم ليقرأها الصغار بقلوبهم قبل عيونهم.
تمنح العيدية الطفل شعوراً بالاستقلالية والسيادة في يوم عيده، وهي الأداة التربوية التي تزرع في نفسه قيمة العطاء حين يرى الكبار يتسابقون لإسعاد القلوب الصغيرة، مما يجعل العيد في ذاكرته مرتبطاً دوماً بفيض من السخاء والتقدير.
وفي بلاد المغرب العربي، يتجلى رقي التعامل الاجتماعي في تقليد “حق الملح”، وهو طقس صبيحة العيد الذي يوجه بوصلة الشكر نحو “سيدة البيت”. جاءت التسمية من تضحية الزوجة بصيامها وهي تضبط ملوحة الطعام بلسانها دون ابتلاعه، حرصاً منها على إرضاء عائلتها طوال الشهر الفضيل. وحين يقدم لها الزوج قطعة ذهب أو مبلغاً مالياً في قاع فنجان القهوة صبيحة العيد، فإنه لا يدفع ثمن الطعام، بل ينحني تقديراً لتلك الروح التي احترقت أمام لهيب الموقد لتضيء مائدة البيت.
إن حق الملح هو اعتراف بأن مجهود المرأة المنزلي ليس واجباً روتينياً، بل هو عطاء يستحق التكريم بلمسة من الرقي التي تليق بجلال المناسبة وعمق العشرة.
تتعدد مشاهد العيد على امتداد الخارطة العربية، لكن الروح تظل واحدة في جوهرها؛ ففي الحجاز تتربع “الدبيازة” على مائدة الإفطار كرمز للوفرة والبركة، وفي الشام ومصر تسيطر صناعة “الكحك والمعمول” على المشهد كطقس جماعي ينسج روابط الجيرة والقرابة. وفي اليمن والخليج، تتحول السحات إلى مهرجانات من الوصل والتهاني.
إن كل هذه التقاليد، من صراع البيض في أفغانستان إلى طبول المسحراتية في تركيا، تصب في مجرى واحد وهو تمتين النسيج الاجتماعي وجعل الفرح جماعياً. إن العيد في بلادنا يظل مدرسة سنوية لتعلم فن الامتنان، حيث ندرك أن السعادة الحقيقية لا تكمن في الأخذ، بل في قدرتنا على تقدير من حولنا وجعل العطاء وسيلة لإضاءة أرواح الآخرين.



