جليلة كلاعي – تونس
في قلب جبال القصرين، وتحديداً في “جبل سمّامة” الذي أصبح رمزاً للمقاومة بالفن، تنطلق الدورة الـ14 من مهرجان “عيد الرعاة” (مارس 2026). هذه الدورة لا تمثل مجرد احتفالية ثقافية عابرة، بل تأتي لتكرّس إشعاعاً دولياً غير مسبوق بتزامنها مع “السنة الدولية للمراعي والرعاة” التي أقرتها الأمم المتحدة، مما يجعل من تونس محط أنظار العالم في مجال تثمين التراث الرعوي.
عمق ثقافي في مواجهة التحديات
منذ تأسيسه عام 2012، نجح “عيد الرعاة” في تحويل الميدان الجبلي من منطقة ظل إلى مسرح عالمي. في هذه النسخة، يمتزج صدى “الناي” بإيقاعات فنية قادمة من أكثر من 20 دولة، ليؤكد المهرجان أن الثقافة هي السلاح الأقوى في وجه التهميش. إن الاحتفاء بمهنة الرعي ليس عودة للماضي، بل هو استثمار في “الرأس مال اللامادي” التونسي، حيث تُعرض إبداعات الرعاة من نسيج، وعطر “الإكليل”، وفنون شعبية، في حوار حضاري يربط الجبل بالمدينة.
السياحة الريفية: الرهان الإستراتيجي للدولة
تأتي هذه الدورة في وقت تضع فيه وزارة السياحة التونسية “السياحة الريفية والبديلة” على رأس أولوياتها الإستراتيجية. فلم تعد الوجهة التونسية تقتصر على الشواطئ والفنادق الكبرى، بل انتقل الثقل نحو الداخل؛ حيث الطبيعة البكر والضيافة الأصيلة. ويعد “عيد الرعاة” النموذج الأمثل لهذا التوجه، إذ يساهم في خلق حركية اقتصادية مباشرة لسكان المنطقة، ويوفر تجربة سياحية “خضراء” ومستدامة تحترم البيئة الجبلية وتثمنها.

أفق دولي وتنمية مستدامة
إن رهان المهرجان اليوم يتجاوز حدود “الفلكلور” ليصل إلى مفهوم “التنمية الجبلية المستدامة”. فمن خلال ورشات الإبداع الجبلي والترويج للمنتجات المحلية، يفتح المهرجان آفاقاً لتسويق “وجهة القصرين” عالمياً كمركز للسياحة الثقافية والبيئية. هذا الإشعاع الدولي هو ثمرة عمل دؤوب جعل من جبل سمامة علامة فارقة في خارطة السياحة البديلة، محققاً المعادلة الصعبة بين الحفاظ على الجذور والانفتاح على الحداثة الكونية.



