جليلة كلاعي تونس
تخطو تونس اليوم خطوة عملاقة نحو المستقبل، محولةً قطاع النسيج من مجرد صناعة تقليدية إلى منصة عالمية للابتكار والمسؤولية البيئية، في مشهد يمزج بين دقة الحرفية التونسية المتوارثة وبين الصرامة التكنولوجية الحديثة.
هذا القطاع الذي يمثل قلب الاقتصاد التونسي النابض بقرابة 150 ألف موطن شغل، لم يعد يكتفي بكونه المزود المفضل لأرقى العلامات التجارية الأوروبية، بل أصبح اليوم رائدًا في صياغة مفهوم “النسيج الأخضر”.
فمن خلال استراتيجية طموحة تمتد حتى عام 2026، تراهن تونس على التحول الرقمي الكامل وتقنيات إعادة التدوير المتطورة، لتثبت للعالم أن الجودة والجمالية يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على كوكب الأرض، وهو ما جعلها تحتل المركز التاسع عالميًا كمصدر للملابس نحو الاتحاد الأوروبي، والمزود الأول للملابس المهنية عالية الدقة، والرابع عالمياً في صناعة “الدنيم” أو الجينز.

إن هذا التحول لا يقتصر على الماكينات والمصانع فحسب، بل هو فلسفة جديدة تعيد تعريف القدرة التنافسية التونسية في الأسواق الدولية؛ حيث استثمرت البلاد في مراكز فنية متطورة، مثل المركز الفني للنسيج “CETTEX”، الذي بات نموذجًا يُحتذى به في الاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية والتحكم الذكي في الموارد المائية بنسبة توفير تصل إلى 90%.
ومع تحقيق صادرات تجاوزت قيمتها 9 مليارات دينار ونسبة تغطية تجارية بلغت 122%، تبرز تونس كوجهة صناعية وسياحية فريدة، حيث يمكن للزائر أن يلمس في كل قطعة قماش قصة نجاح تتجاوز حدود الجغرافيا.

وقد تجسد هذا النجاح في علامات تجارية تونسية ملهمة مثل “Outa” التي تحول نفايات البحر إلى أزياء فاخرة، وعلامة “LYOUM” التي غزت الأسواق الأوروبية بروح تونسية عصرية، وشركات كبرى مثل “Sartex” التي باتت شريكاً تقنياً لأضخم الماركات العالمية بفضل ابتكاراتها في “الجينز الأخضر”.
هذا التوجه نحو الاستدامة لا يحمي البيئة فقط، بل يفتح أبوابًا واسعة لخلق آلاف فرص العمل للشباب التونسي المبدع، معيدًا صياغة هوية “صنع في تونس” كعلامة مسجلة للثقة، التجدد، والالتزام الأخلاقي تجاه الأجيال القادمة.

إن المراهنة التونسية على التجديد والاستدامة هي في جوهرها رسالة للعالم بأن تونس الخضراء تواصل كتابة تاريخها بأدوات الحداثة، معززةً مكانتها كقطب استثماري وجذب سياحي يجمع بين سحر المتوسط وطموح الريادة العالمية، لتظل “الغرزة التونسية” رمزاً للجودة التي لا تغيب عنها الشمس ولا تنال منها التحديات.



