بقلم: عبد الوهاب البراري – تونس – مجلة السياحة العربية
في الوقت الذي يهرع فيه السائح العربي نحو عواصم القارة العجوز، باحثاً عن الراحة بين أضواء باريس، أو متأملاً في سحر قصر “فرساي” وهيبة “اللوفر”، يبقى سؤالٌ جوهري يطرح نفسه بحدّة: هل نسينا أن الجمال الأصيل يكمن في قلب “الضاد”؟
لا شك أن عواصم أوروبا غنية بمعمارها وتاريخها، وأن “الموناليزا” إبداعٌ يستحق التأمل، وروما وأثينا هما مهد الفلسفة.. لكن، أليس في هذا الوطن العربي الفسيح ما هو أجمل وأقرب للوجدان؟
جمالٌ بروحٍ.. لا “بهرجٌ” مصنوع
إن الفارق الجوهري بين وجهات الغرب ومعالمنا العربية يكمن في “الروح”. فبينما يبدو الجمال هناك مصنوعاً في أغلبه كلوحة باردة، تتنفس مدننا العربية الدفء في أزقة فاس، وأسواق بغداد واللاذقية، وفي شوارع الكويت ومآذن قطر. إنها مدنٌ شيدتها سواعد سمراء وخيالٌ يحكي قصص آلاف السنين.
الجمال عندنا يبدأ من الدار البيضاء ولا يحط رحاله إلا على أرض حضرموت، مروراً بابتسامة أطفال جدة ووقار مشايخ الأحساء، وعيون حسناوات الإسكندرية وجرش.
التسويق للأصالة: نحن لا نبيع “خدمة” بل “كرمًا”
الإشكال الحقيقي للسياحة العربية اليوم لا يكمن في غياب المقومات، بل في “فن التسويق لها”. نحن بحاجة لثورة في كيفية تقديم أنفسنا للعالم ولأنفسنا أولاً.
فبينما تروّج جزر الكاريبي لشواطئها، نملك نحن شواطئ أنقى وأجمل على امتداد المحيط والأطلسي، لكنها تنتظر من “يسوّق” سحرها.
نحن لا نسوّق لفنادق، بل لثقافةٍ تربينا فيها على أخلاق النبل في حجور أمهاتنا العربيات، نساءٌ ورثن الأصالة فكان جمالهن طبيعياً لا يحتاج لمساحيق “شانيل” أو “ديور”. نحن نسوّق لرجولةٍ أصلها عربي، وكرمٍ حاتميٍّ يجعل السائح “ضيفاً” لا “زبوناً”.
بوصلة العودة: “بلاد العُرب أوطاني”
إن دفاتر التاريخ لا تكفي لتدوين مآثر مدائننا، ولن ينتزع النسيان عشقنا لها. كيف نحيد عن طريقنا ومكة والمدينة والقدس تسكن وجداننا؟ إنها أوْلى المدن بالزيارة والاستكشاف. وكما قال الشاعر فخري البارودي:
بلادُ العُربِ أوطاني.. منَ الشّـامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ.. إلى مِصـرَ فتطوانِ
كل ساحاتنا “سوق عكاظ”، وكل مدائننا تتربع على عروش القلوب؛ من رمال حائل وتبوك، إلى قيروان الأغالِبة وهضاب الأدارسة في فاس، وصولاً إلى بنغازي أرض أسد الصحراء وغرداية تربة المليون شهيد.

دعوة للاستثمار في “الهوية”
إن التسويق السياحي لأوطاننا هو استعادة لسيادتنا على صورتنا الذهنية. لنبدأ بإرشاد مواطنينا إلى كنوزهم المخبوءة، ولنعلمهم أن السفر داخل الوطن العربي هو رحلة في الذات والتاريخ. السياحة العربية ليست بحاجة لجمال مستعار، بل لوعيٍ يحمي هذا الجمال، ولسانٍ يجيد حكايته للعالم بشغف واعتزاز



