جليلة كلاعي تونس
في عالم السينما، يغدو المرض أحياناً نافذة تطل منها الكاميرا على أعمق الهواجس الإنسانية، وتتحول القيود البيولوجية إلى مرايا تعكس صراعات الروح وتناقضات العاطفة البشرية؛ هذا التماس العميق هو ما يضعه المخرج التونسي الواعد عزيز الشناوي في واجهة المشهد الثقافي العربي، معلناً عن حضور تونسي لافت ومؤثر في أروقة الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المقرر إقامتها في الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026.
وتأتي هذه المشاركة محملة بآمال عريضة للنقاد والجمهور على حد سواء، حيث يشارك فيلمه الروائي الطويل الأول “وراء الشمس” ضمن مسابقة “آفاق السينما العربية”، وهي المحطة التي طالما كانت منصة ولادة لتيارات سينمائية جديدة ومخرجين يمتلكون رؤى بصرية مغايرة، مما يجعل الفيلم واحداً من أكثر الأعمال المرتقبة في هذه النسخة من المهرجان العريق.
وينسج الشناوي في هذا العمل، الممتد على مدار ثمانين دقيقة، خيوطاً درامية شديدة الحساسية والتعقيد عبر شريط سينمائي مشترك الإنتاج بين تونس والمملكة العربية السعودية، حيث تغوص كاميرته في العوالم المغلقة لـ “أطفال القمر” من خلال قصة الأم الأرملة “ليندا” وابنها ابن السبع سنوات المصاب بمرض جيني نادر يحظر عليه ملامسة أشعة الشمس فوق البنفسجية.
لا يتوقف الفيلم عند حدود الرصد السطحي للمعانة اليومية مع المرض، بل ينطلق منه ليقدم تشريحاً تحليلياً دقيقاً لغريزة الأمومة عندما تتحول بفعل الخوف الشديد والظروف القاسية إلى سجن حماية مفرطة، متتبعاً بذكاء لافت تلك اللحظة التنويرية الفاصلة التي تدرك فيها الأم أن حماية ابنها لا تعني عزله، وأن واجبها الأسمى كأم يكمن في منحه الحرية ليعيش كينونته ويختبر الحياة بكل حريتها وجروحها رغم وطأة المرض والقيود المحيطة به.
هذا العمق الفلسفي والإنساني للفيلم سيضعه بلا شك تحت مجهر تقييم نقدي رفيع المستوى، حيث تتولى تحكيم مسابقة “آفاق السينما العربية” لجنة تجمع مدارس سينمائية متنوعة تجمع بين عين المخرج المصري عمرو سلامة بقدرته على ملامسة قضايا المجتمع، والمخرجة الفلسطينية ليلى عباس بذكائها في صياغة الدراما الواقعية، جنباً إلى جنب مع مدير التصوير الروماني تيودور فلاديمير باندورو، مما يضمن قراءة بصرية وتحليلية متعددة الأبعاد للأفلام المتنافسة.



