في عالم تتقاسمه المسافات وتملؤه مشاعر الشوق المنبعثة من قلب الغربة، تولد أحياناً أعمال فنية تختزل وجعاً إنسانياً مشتركاً وتتحول من مرثية شخصية إلى نشيد جماعي يلامس شغاف القلوب، وهو تماماً ما تجسد في الأغنية الحدث
Mon père, mon pilier “أبي، سندي” للشاعرة المبدعة حميدة بن منصور. هذه القصيدة التي ولدت من رحم المعاناة وحرقة الفراق، لم تكن مجرد كلمات مرصوفة، بل جاءت كدفق وجداني جياش أهدته ابنة مدينة القلعة المغتربة إلى روح والدها الراحل، ومن خلاله إلى أرواح كل الآباء الذين غادروا دنيانا وتركوا خلفهم فراغاً لا يملأه سوى صدى ذكرياتهم الطاهرة. وبأسلوب صحفي يغوص في عمق هذا الأثر الفني، نجد أن الأغنية قد تجاوزت حدود التعبير التقليدي عن الحزن لتصبح وثيقة إنسانية تترجم تلاحم الهوية والأصل مع تجربة الاغتراب المريرة، حيث يغدو الأب في الذاكرة ليس فقط والداً، بل هو الوطن الصغير والسند الروحي الذي يستند إليه المبدع في منافيه الاختيارية أو القسرية.
يتجلى العمق التحليلي لهذا العمل في تلك التوليفة الإبداعية الفريدة التي جمعت بين الكلمة الشاعرية النابضة لحميدة بن منصور والنبرة اللحنية الدافئة للمغني والملحن “Lolo Massalia”، إذ نجح هذا التعاون الثنائي في صهر مشاعر الأسى وبثّ طاقة من الصمود والفخر بين ثنايا اللحن الموسيقي الذي يمزج بذكاء بين إيقاعات الريغي المعاصرة وروح الأغاني التكريمية الكلاسيكية. ولم تقف الأغنية عند عتبات البكاء على الأطلال أو الاستسلام لمرارة الموت، بل حملت في طياتها رسالة صمود ملهمة يتردد صداها في وعي كل مغترب؛ حيث تعهدت الشاعرة في مقاطعها المأثورة بأن تظل قوية وواقفة كالأشجار المثمرة تماماً كما علمها والدها، مؤكدة أن غيابه الجسدي لا يعني زوال أثره، بل هو حضور دائم يرافق خطواتها ويقود مسيرتها طوال الحياة. هذا البعد الفلسفي أخرج العمل من نطاقه الضيق ليجعله منصة وفاء يجد فيها كل مستمع مرآة عاكسة لقصته الخاصة مع الفقد والاشتياق. إن النجاح اللافت والانتشار المتسارع الذي يحققه هذا العمل على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، يعكس حاجة الجمهور العربي والعالمي اليوم إلى فن هادف يحاكي الفطرة الإنسانية السليمة ويعيد الاعتبار للقيم العائلية الرفيعة. ومن موقعنا في مجلة السياحة العربية، لا ننظر إلى هذا المنجز الفني باعتباره مجرد نتاج عابر، بل هو جسر ثقافي ممتد يربط المبدعين المهاجرين بجذورهم وأوطانهم الأم، ويثبت أن الكلمة الصادقة قادرة على السفر عبر القارات لتلمس جراح البشر أينما كانوا.
لقد استطاعت حميدة بن منصور، عبر هذه المرثية الغنائية المتكاملة، أن تحول ألم الفراق الشخصي إلى طاقة إبداعية عابرة للحدود، تعيد صياغة مفهوم الوفاء للآباء في قالب فني خالد سيظل يتردد في ذاكرة الأجيال كشاهد على عظمتهم وعمق الأثر الذي يتركونه في نفوسنا حتى بعد الرحيل.