جليلة كلاعي تونس
في رحلة موسيقية عابرة للقارات، احتضنت تونس عرض “كمان سانغام” (Violon Sangam)، وهو الحدث الذي لم يكن مجرد سهرة موسيقية عابرة، بل كان تجسيداً حياً لمعنى كلمة “سانغام” السنسكريتية، والتي تعني “الملتقى” أو “مصب الأنهار”. في هذا العرض، تدفقت ألحان الكمان الهندي الكلاسيكي لتصب في بحر المقامات الشرقية والتونسية، معلنةً عن ولادة لغة فنية هجينة تجمع بين صوفية الشرق الأقصى وحيوية المتوسط.
قام العرض على فلسفة “المحاورة” لا “المجاورة”؛ حيث لم يكتفِ العازفون بتقديم مقطوعات منفصلة، بل امتزجت تقنيات العزف الهندي (التي تعتمد على الـ “راغا” والزخارف الصوتية الدقيقة) مع روح الارتجال الشرقي. الكمان، الذي يعد ركيزة في الموسيقى الكلاسيكية الهندية، ظهر بأسلوبه التقليدي (العزف وضعية الجلوس) ليحاكي نبض الإيقاع التونسي، مما خلق حالة من التجلي الفني أذهلت الحضور في شهر مارس 2026.
وحظي العرض بمتابعة إعلامية واسعة، لا سيما من وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات)، التي أبرزت دور هذه الفعاليات في تعزيز الدبلوماسية الثقافية. واعتبر النقاد أن “كمان سانغام” يمثل محطة هامة في “موسيقى العالم” (World Music)، حيث كشف عن نقاط تقاطع مذهلة بين السلم الموسيقي الهندي والمقامات الشرقية، مبيناً أن الشجن الإنساني والبهجة الروحية لا يحتاجان إلى ترجمة حين تنطق الأوتار

إلى جانب التميز الموسيقي، قدم العرض صورة بصرية تعكس هذا التلاقح؛ فبين اللباس التقليدي الهندي بجمالياته والأجواء التونسية العريقة، شعر الجمهور وكأنه في رحلة سحرية بدأت من ضفاف نهر الغانج وانتهت في أزقة تونس العتيقة. إن نجاح هذا العرض يفتح الباب أمام المزيد من المشاريع الفنية المشتركة التي تبحث عن المشترك الإنساني في الفنون التقليدية، وتثبت أن تونس تظل دائماً أرضاً للقاء والحوار الثقافي المفتوح.



