آخر الأخبار

شرايين التنمية المستدامة.. الاقتصاد السياحي العربي ونبض الملاعب في «خليجي 27»

شارك

​بقلم: عبدالله بن عيسى البطيّان ـ المستشار الثقافي لمجلة السياحة العربية

​تتلبس السياحة العربية في هذه المرحلة التاريخية ثوباً جديداً تتشابك فيه عرى الاقتصاد بالثقافة، وتتحول فيه الواجهات التراثية والحضارية إلى محركات رئيسية للناتج المحلي الإجمالي. لم تعد السياحة مجرد رحلة استجمام عابرة، بل أصبحت “صناعة ثقيلة” ذات عائد استثماري متعدد الأبعاد، ترتكز على معادلات اقتصادية دقيقة تعظم الاستفادة من الموارد البشرية، الطبيعية، والتاريخية التي يزخر بها وطننا العربي الكبير.

​أولاً: مؤشرات النمو الاقتصادي ومعادلات تنشيط السياحة العربية
​يقاس النمو السياحي الحقيقي بقدرة القطاع على تحقيق فائض في ميزان المدفوعات، وتوليد فرص العمل، وتحفيز قطاعات الضيافة، النقل، والصناعات اليدوية.

وتستند معادلة نمو السياحة العربية المستدامة إلى عناصر تشمل:
​معدل الإنفاق السياحي الفردي: والذي يعكس حجم الأموال التي ينفقها السائح وتدور داخل الاقتصاد المحلي لدعم المجتمعات المضيفة.

​الاستثمار في البنية التحتية الثقافية: ربط المعالم الأثرية والمهرجانات بشبكات نقل حديثة ومطارات دولية قادرة على استيعاب التدفقات المليونية.

​التكامل البيني العربي: تفعيل التأشيرات الموحدة والبرامج الترويجية المشتركة التي تسهل تنقل السائح العربي داخل محيطه الجغرافي.

​ثانياً: أمثلة حية.. لؤلؤة السياحة العربية وأرقامها النابضة

​شهدت خارطة السياحة العربية في السنوات الأخيرة قفزات نوعية وثثبتها أرقام ملموسة تعكس نجاح الاستراتيجيات الوطنية الكبرى:
​المملكة العربية السعودية (العلا والدرعية): سجلت مشاريع مثل “العلا” نمواً متصاعداً في استقبال الزوار الدوليين والمحليين متجاوزة ملايين الزوار بفضل المزج الفريد بين التراث الإنساني والطبيعة، بينما تستقطب “الدرعية” ملايين الزوار سنوياً لتؤكد أن التراث عصب نابض للاقتصاد.

​جمهورية مصر العربية: استمرت الساحات التاريخية في القاهرة الكبرى ومنطقة الأقصر وأسوان، إلى جانب منتجعات البحر الأحمر (كشرم الشيخ الغردقة)، في جذب عشرات ملايين السياح، مساهمة بنسبة ضخمة في تدفقات النقد الأجنبي.

​دبي والإمارات العربية المتحدة: نموذج عالمي في دمج السياحة الترفيهية والأعمال، حيث تجاوز عدد زوار دبي أرقاماً قياسية تاريخية، محققة نسب إشغال فندقي تعد الأعلى عالمياً.

​المملكة المغربية (مراكش وفاس): حافظت المدن العتيقة على جذبها السياحي المليوني، مدعومة بالصناعات التقليدية التي توظف مئات الآلاف من الحرفيين.

​ثالثاً: جماهير “خليجي 27” بجدة.. نبض استثنائي يعزز السياحة الرياضية
​تُعد الفعاليات الكبرى، وفي مقدمتها البطولات الرياضية الإقليمية، الشريان الأقوى لإنعاش السياحة القصيرة وتحريك قطاعات الفنادق والطيران وقطاع التجزئة.

وفي هذا السياق، جاءت استضافة المملكة العربية السعودية لبطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم (خليجي 27) في مدينة جدة خلال الفترة من 23 سبتمبر وحتى 6 أكتوبر 2026، لتقدم نموذجاً ساطعاً على تكامل السياحة بالرياضة.

​وقد شهدت المدرجات تفاعلاً جماهيرياً تاريخياً، تجلى بوضوح في مباريات الأدوار الإقصائية؛ حيث سجلت مباراة نصف النهائي الحماسية بين المنتخب السعودي والمنتخب القطري حضوراً جماهيرياً قياسياً وصل إلى 51 ألف مشجع غصت بهم مدرجات مدينة الملك عبد الله الرياضية (“الجوهرة المشعة”)، لتسجل واحدة من أعلى نسب الحضور والتفاعل المؤثر في تاريخ البطولة.

هذا التدفق الهائل للجماهير الخليجية والعربية لم يقتصر أثره على أجواء الملاعب فحسب، بل رافقه انتعاش غير مسبوق في نسب إشغال الفنادق بجدة، وارتفاع ملحوظ في حركة الرحلات الجوية الداخلية والدولية فضلًا عن المنافذ البرية وارتفاع معدلات أرقام عوائد الاتصالات وأنشطة الانترنت وقوائم المشاهدات عبر القنوات الفضائية، وكذلك النشاط التجاري في الأسواق والمراكز الترفيهية.

​خاتمة: آفاق المستقبل
​إن التكامل بين التخطيط الثقافي الرشيد، والمؤشرات الاقتصادية القائمة على الابتكار، والفعاليات الكبرى مثل “خليجي 27″، يثبت أن السياحة العربية تمتلك كافة المقومات لتكون قطار التنمية الأول في المستقبل القريب.

إننا أمام مرحلة لا تقتصر فيها السياحة على مشاهدة الأماكن، بل تتعداها إلى معايشة الثقافة وصناعة الأثر الاقتصادي المستدام.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *