عبد الوهاب البراري ـ تونس
في قلب الجنوب التونسي، حيث تتجلى الطبيعة في أقسى صورها وأكثرها مهابة، يعيد الإنسان صياغة علاقته بالوجود من خلال معمار يتحدى المألوف ويبهج الأبصار.
إنها مطماطة، القرية الأمازيغية التي لا ترتفع بيوتها نحو السماء كعادة البنيان، بل تغوص عميقاً في أحشاء الأرض، مجسدةً تلاحماً أسطورياً يمتزج فيه الواقع بالخيال.
هنا، لم يكن البقاء مجرد رغبة عابرة، بل تحول إلى حفر دائرية عظيمة صاغتها سواعد الأجداد الأمازيغ برؤية تراجيدية تواجه قسوة الجغرافيا، لتصنع من باطن الطمي ملاذاً آمناً يتحدى تقلبات الدهر وعنفوان الطبيعة الصحراوية.
تبدأ الحكاية من فلسفة معمارية مقلوبة، حيث يبدأ البناء بالحفر لا بالرفع، فيعمق الإنسان فجوة دائرية يصل عمقها إلى عشرة أمتار لتكون صحناً للدار وفناءً تشرق عليه شمس الجنوب.
ومن هذا الصحن، تنبثق غرف محفورة بمهارة فائقة في الجوانب، تبدو للناظر وكأنها مغارات سحرية تخبئ أسرار التكيف البشري.
هذا النحت المتقن يمنح قاطني الديار معجزة مناخية دائمة، حيث تفيض الغرف ببرودة منعشة و”مطمئنة” في هجير الصيف الحارق، بينما تنقلب في قسوة الشتاء إلى دفء طبيعي وارف، في ثنائية مدهشة تغني هذه العائلات عن صخب التكنولوجيا وأدوات التكييف الحديثة، وتبرهن على أن الطبيعة، حين نفهم لغتها، تكون أكثر الكيانات كرماً وحناناً علينا.



