آخر الأخبار

بين هندسة الأرض وفضاء السينما: مطماطة التونسية حكاية التكيف البشري الأبدي

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس

في قلب الجنوب التونسي، حيث تتجلى الطبيعة في أقسى صورها وأكثرها مهابة، يعيد الإنسان صياغة علاقته بالوجود من خلال معمار يتحدى المألوف ويبهج الأبصار.
إنها مطماطة، القرية الأمازيغية التي لا ترتفع بيوتها نحو السماء كعادة البنيان، بل تغوص عميقاً في أحشاء الأرض، مجسدةً تلاحماً أسطورياً يمتزج فيه الواقع بالخيال.


هنا، لم يكن البقاء مجرد رغبة عابرة، بل تحول إلى حفر دائرية عظيمة صاغتها سواعد الأجداد الأمازيغ برؤية تراجيدية تواجه قسوة الجغرافيا، لتصنع من باطن الطمي ملاذاً آمناً يتحدى تقلبات الدهر وعنفوان الطبيعة الصحراوية.
تبدأ الحكاية من فلسفة معمارية مقلوبة، حيث يبدأ البناء بالحفر لا بالرفع، فيعمق الإنسان فجوة دائرية يصل عمقها إلى عشرة أمتار لتكون صحناً للدار وفناءً تشرق عليه شمس الجنوب.
ومن هذا الصحن، تنبثق غرف محفورة بمهارة فائقة في الجوانب، تبدو للناظر وكأنها مغارات سحرية تخبئ أسرار التكيف البشري.
هذا النحت المتقن يمنح قاطني الديار معجزة مناخية دائمة، حيث تفيض الغرف ببرودة منعشة و”مطمئنة” في هجير الصيف الحارق، بينما تنقلب في قسوة الشتاء إلى دفء طبيعي وارف، في ثنائية مدهشة تغني هذه العائلات عن صخب التكنولوجيا وأدوات التكييف الحديثة، وتبرهن على أن الطبيعة، حين نفهم لغتها، تكون أكثر الكيانات كرماً وحناناً علينا.

ولم يكن لهذه العبقرية المحلية أن تظل حبيسة جبال تونس، فالعالمية طرقت أبواب هذه الحفر بطريقة لا تخلو من الإثارة البصرية؛ ففي عام 1977، لمح المخرج العالمي جورج لوكاس في هذه الديار بعداً فنياً وفضاءً غريباً يتجاوز حدود كوكبنا، فاختار “فندق سيدي إدريس” الشهير ليكون مسرحاً لأحداث فيلمه الأسطوري “حرب النجوم”، متقمصاً دور بيت البطل “لوك سكايوواكر”.
هذا التمازج الساحر بين أصالة الملاذ الأرضي وفضاء الخيال العلمي، جعل من مطماطة نقطة جذب عالمية يلتقي فيها التاريخ بالسينما، حيث يرى الزائر اليوم جدران الفندق محتفظة بملامح الديكورات الفضائية، وسط بيئة لا تزال تنبض بالحياة الأمازيغية الحقيقية.

إن القيمة الأسمى لمطماطة لا تكمن في الحجارة المنحوتة أو الذكريات السينمائية، بل في تلك الروح الإنسانية الشامخة التي لا تزال تسكن هذه البيوت حتى يومنا هذا.
عائلات أمازيغية متشبثة بأرضها، تفتح أبواب ديارها المحفورة لتستقبل الزوار بكرم أصيل، متمثلة بعبارة شكسبيرية خالدة:
“مرحباً بكم في بيتنا، حيث القلوب أوسع من الأبواب”.


النزول إلى أحد هذه البيوت ليس مجرد جولة سياحية عابرة، بل هو رحلة فلسفية في عمق الهوية، واكتشاف لسر البقاء والتناغم الإنساني مع الأرض، مما يجعل مطماطة درة فريدة في تاج السياحة العربية، وأيقونة حية لجمال تونس الممتد بين باطن الأرض وعنان السماء.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *