جليلة كلاعي تونس
لم تعد التمور في الجنوب التونسي مجرد منتج زراعي يترقب انتهاء الخريف ليُحصد، بل هي عصب حياة، وجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية والسياحية لبلاد الواحات، وتجسيد حيّ لـ “ذهب الصحراء” الذي يروي قصة صمود الإنسان في مواجهة الطبيعة ومساعيه الدؤوبة لابتكار حلول اقتصادية مستدامة تحمي لقمة عيشه وأصالة أرضه.
في هذا السياق الذي يمتزج فيه عبق التاريخ بحركية التنمية، يأتي افتتاح السوق الموسمية للتمور بمنطقة القلعة التابعة لمعتمدية دوز الشمالية بولاية قبلي كحدث استراتيجي يتجاوز أبعاده التجارية التقليدية، ليمثل نقطة تحول جوهرية في هيكلة مسالك التوزيع وإعادة صياغة العلاقة المباشرة بين المنتج والمستهلك، وسط تطلعات واعدة لتنشيط سياحة الواحات التي تستهوي عشاق التجذر والأصالة من مختلف أصقاع العالم العربي.

هذا المشروع الواعد، الذي تم تدشينه رسمياً بمقر دار الشباب القديم قبالة بلدية القلعة، لم يكن وليد صدفة أو تدخلاً بيروقراطياً جافاً، بل تبلور انطلاقاً من بادرة شبابية تطوعية رائدة، بملامح تنموية واعية حظيت بتأطير قانوني دقيق وتنسيق متكامل مع السلطات البلدية والمحلية، ليتحول الفضاء بعد عقود من عدم الاستغلال إلى منبر حيوي ومهيأ بالكامل ومحروس يضمن عرض “دقلة النور” الفاخرة والتمور الطازجة المجمعة مباشرة من واحات نفزاوة الشامخة في شروط صحية وتنظيمية مثالية.
ولعل القيمة التحليلية العميقة لهذه التجربة تكمن في قدرتها على مواجهة المعضلة التاريخية التي تؤرق الفلاح التونسي والواحي عموماً، والمتمثلة في تغوّل مسالك الوساطة العشوائية التي طالما التهمت هوامش ربحه وجعلته رهينة لتقلبات المضاربة، حيث تطرح سوق القلعة اليوم معادلة “من المنتج إلى المستهلك” كآلية عملية لفرض أسعار مرجعية عادلة تضمن كرامة المزارع وتراعي في الآن ذاته المقدرة الشرائية للمواطن التونسي والعربي، لاسيما وأن الاحصائيات الرسمية تشير إلى أن معدل الاستهلاك السنوي للتونسي من التمور لا يتجاوز 5 كيلوغرامات، وهو رقم يسعى القائمون على السوق إلى مضاعفته عبر تسهيل النفاذ إلى المنتج وتخفيض كلفته غير المبررة نتاج الغاء الحلقات الوسيطة.



