واس/ القسم الإعلامي للسفارة السعودية بالقاهرة- محمد قنديل
تحتفي المملكة العربية السعودية في الرابع من نوفمبر بمرور 80 عامًا على انضمامها إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1946م، في مسيرة ممتدة من الشراكة والتعاون الدولي، انتقلت خلالها من العضوية والمشاركة في أعمال المنظمة إلى الإسهام في صياغة سياساتها وتوجهاتها، وتعزيز حضور المملكة في مجالات التعليم، والعلوم، والثقافة، والاتصال والمعلومات. وعلى مدى ثمانية عقود، واصلت المملكة دعم المنظمة وبرامجها من خلال مساهماتها المقررة في ميزانيتها، إلى جانب المساهمات النوعية المخصصة لدعم أولوياتها ومبادراتها، إيمانًا منها بدور التعليم، والعلم، والثقافة في تعزيز السلام، والتفاهم، والتضامن الإنساني. وامتدادًا لهذا الدور، تستضيف المملكة ثلاثة مراكز إقليمية تابعة لليونسكو، هي: مركز اليونسكو الإقليمي للحوار والسلام، المعني بنشر ثقافة الحوار والتسامح من خلال بناء القدرات، والتدريب، والبحوث، وتبادل المعرفة؛ ومركز اليونسكو الإقليمي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE)، المختص بالأبحاث والأخلاقيات والحوكمة، ودعم الاستخدام المسؤول للتقنيات الناشئة؛ ومركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم العام، الذي يعمل على تعزيز جودة التعليم، وتطوير السياسات التعليمية في الدول العربية. وعززت المملكة مشاركتها في اللجان، والمجالس التابعة للمنظمة، وأسهمت في دعم الجوائز والمبادرات الدولية، ومنها جائزة اليونسكو الفوزان الدولية لتشجيع المبدعين الشباب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، والجائزة العالمية للجودة والتميز في التعليم، وفي مجال التمكين الرقمي أسهم مركز اليونسكو الإقليمي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في تدريب أكثر من 6 آلاف سيدة في 119 دولة على مهارات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة. وامتد هذا الدور ليشمل المؤسسات غير الربحية والخيرية في المملكة، التي أطلقت مبادرات نوعية لتعزيز حضور اللغة العربية والثقافة العربية دوليًا، ومن أبرزها برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في اليونسكو، الذي أُطلق عام 2007م. ويُعد التعليم أحد أبرز مجالات التعاون التاريخي بين المملكة والمنظمة، حيث شاركت المملكة في اللجان التعليمية رفيعة المستوى المعنية بتحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، بما يدعم تطوير السياسات، والإستراتيجيات التعليمية العالمية، وتحسين جودة التعليم، وتأهيل المعلمين، وتعزيز التعلم مدى الحياة، والتحول الرقمي، إلى جانب تمكين الطلاب والطالبات من المشاركة في المسابقات والمحافل الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، انضمت ثماني مدن سعودية إلى الشبكة العالمية لمدن التعلم، وهي: الرياض، والمدينة المنورة، والعلا، وينبع الصناعية، والجبيل الصناعية، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، والأحساء، ورياض الخبراء، وتستضيف المملكة عددًا من الكراسي البحثية ضمن شبكة توأمة الجامعات والكراسي الجامعية التابعة لليونسكو، التي أُطلقت عام 1992م، وانضمت مجموعة من المدارس السعودية إلى الشبكة العالمية للمدارس المنتسبة لليونسكو، التي أُطلقت عام 1953م. وفي مجال العلوم الطبيعية، انضم متنزه سلمى في منطقة حائل، ومتنزه شمال الرياض في منطقة الرياض إلى شبكة اليونسكو عام 2025م للحدائق الجيولوجية العالمية، ليكونا أول موقعين سعوديين يُدرجان فيها، بما يعزز جهود المملكة في صون التراث الجيولوجي وتوظيفه علميًا وسياحيًا. وسُجّلت محمية جزر فرسان بمنطقة جازان عام 2021م أول محمية طبيعية سعودية ضمن برنامج الإنسان والمحيط الحيوي (الماب) التابع لليونسكو، تلتها محمية حرة عويرض، التي تضم 19 نوعًا من الحيوانات المهددة بالانقراض، عام 2022م، و43 نوعًا من الطيور، منها ثمانية أنواع جارحة، و55 نوعًا من النباتات النادرة، ثم محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية عام 2025م، الممتدة عبر خمس مناطق إدارية هي: الجوف، والقصيم، وحائل، والحدود الشمالية، والمنطقة الشرقية. وفي إطار جهودها لتعزيز الاستدامة البيئية، وإدارة الموارد المائية، تتعاون المملكة مع البرنامج الهيدرولوجي الحكومي الدولي (IHP) التابع لليونسكو، وذلك في سياق استعداداتها لاستضافة المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في مدينة الرياض عام 2027م، تحت شعار “العمل لغد أفضل”. وفي المجال الرياضي، تدعم المملكة الأطر الدولية المعنية بحماية نزاهة الرياضة وقيمها، من خلال دعمها المستدام لاتفاقية اليونسكو الدولية لمكافحة المنشطات في مجال الرياضة، وتمثل المجموعة العربية بصفة نائب الرئيس في مكتب مؤتمر الأطراف في الاتفاقية، تأكيدًا لدور الرياضة في تعزيز التسامح، والتعايش، وبناء السلام. وامتدت الشراكة السعودية مع اليونسكو في المجال الثقافي إلى صون التراث الإنساني وتعزيز حضوره عالميًا؛ إذ صادقت المملكة على اتفاقية حماية التراث العالمي عام 1978م، وسُجّل موقع الحِجر بوصفه أول موقع سعودي على القائمة عام 2008م، فيما كان أحدث المواقع المسجلة، المنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية عام 2024م، ليبلغ مجموع المواقع السعودية المدرجة ثمانية مواقع، إضافة إلى 18 عنصرًا في قائمة التراث الثقافي غير المادي. وعلى صعيد دعم البرامج الثقافية الدولية، خصصت المملكة 25 مليون دولار أمريكي بموجب خطاب إعلان نوايا وُقّع في 12 يوليو 2019م، تأسس على إثره الصندوق السعودي في اليونسكو، الذي أطلق ستة مشاريع رائدة في مجالات التقنيات الرقمية، والسياحة المستدامة، والبناء المستدام، وصون مواقع التراث العالمي، وتنمية الاقتصادات الإبداعية، واستفادت من مشاريعه حتى الآن 136 دولة. ولحماية التراث أطلقت المملكة بالشراكة مع المنظمة المتحف الافتراضي للقطع المسروقة، ومنصة التراث الرقمي، بهدف حماية التراث واستعادة ما سُرق منه، وإتاحته للأجيال. وتستعد لاستضافة المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية والتنمية المستدامة “موندياكولت 2029″، لرسم توجهات السياسات الثقافية، وتعزيز دور الثقافة في التنمية المستدامة. وفي مجال الاتصال والمعلومات، استضافت المملكة في سبتمبر 2026م النسخة الرابعة من المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي التابع لليونسكو، بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE)، بهدف دعم الاستخدام المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتسخيرها لخدمة البشرية. وانتُخبت المملكة عضوًا في المجلس الحكومي الدولي لبرنامج اليونسكو “المعلومات للجميع (IFAP)” للفترة 2025–2029م، بما يعزز مشاركتها في توجيه أعمال البرنامج وتطوير التعاون الدولي في مجالات النفاذ إلى المعلومات وحفظها، والتربية الإعلامية والمعلوماتية، وتعزيز التعددية اللغوية في الفضاء السيبراني. وشهدت مسيرة المملكة مع اليونسكو محطات دولية بارزة، من أبرزها: استضافتها عام 2023م الدورة الخامسة والأربعين الموسعة للجنة التراث العالمي في الرياض، واقتراحها وترؤسها مجموعة العمل المفتوحة المعنية بإعادة التوازن لقائمة التراث العالمي، إلى جانب استضافة المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي عام 2026م، والتحضير لاستضافة المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه عام 2027م، ومؤتمر موندياكولت عام 2029م.
وبعد ثمانية عقود على انضمامها إلى اليونسكو، تواصل المملكة تعزيز شراكتها مع المنظمة عبر دعم برامجها وتمويل المبادرات النوعية، وتوسيع مشاركتها في شبكاتها العالمية، واستضافة المؤتمرات والمنصات الدولية، بما يعكس تطور دورها من العضوية إلى الإسهام في صياغة العمل الدولي، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز التعاون الدولي وتوظيفه لخدمة الإنسان والتنمية المستدامة.