آخر الأخبار

تونس تحيك خيوط الأزل: تسعة أشهر لإنقاذ ذاكرة الطين، الحرير، والجبس من النسيان

شارك

جليلة كلاعي تونس

بين طيات السروج المطرزة بخيوط الذهب في أزقة تونس العتيقة، ونبض الطين الضارب في عمق التاريخ فوق قمم “قلالة” بجربة، تسكن روح الهوية التونسية، تلك التي لا تقتصر على كونها مجرد إرث مادي، بل هي حكاية إنسان استوطن هذه الأرض وصنع من تفاصيلها فنًا يحاور الأبدية.
غير أن هذه الحكايات الحية، التي تختزل قرونًا من التمازج الحضاري الأندلسي والمتوسطي، تواجه اليوم خطر التلاشي تحت عجلات العصرنة المتسارعة، مما يجعل من صون التراث اللامادي معركة وجودية حقيقية لحماية الذاكرة الوطنية من الانقراض.
في هذا السياق الاستراتيجي، وفي خطوة تحمل أبعادًا ثقافية وسياحية وتنموية بالغة الأهمية، يستعد الديوان الوطني للصناعات التقليدية لإطلاق مبادرة وطنية رائدة تمتد على تسعة أشهر، تهدف إلى إعادة إحياء سبع مهن حرفية تقليدية مهددة بالزوال، وذلك بالتعاون والشراكة الاستراتيجية مع منظمة اليونسكو، مما يمنح هذا المشروع غطاءً دوليًا يعكس القيمة العالمية للموروث التونسي.

إن هذه المبادرة تتجاوز فكرة التدريب المهني النمطي لتتحول إلى جغرافيا ثقافية متكاملة تعيد الاعتبار للميزات النسبية لكل جهة داخل التنوع التونسي الثري.
ففي قلب إقليم تونس الكبرى، تتجه الجهود نحو صون صناعة السروج العريقة في المدينة العتيقة بما تحمله من هيبة ورمزية فروسية، بالتوازي مع بعث فنون النقش البديع على الجبس في منطقة سيدي حسين لتظل شاهدة على مهارة البناء التقليدي.
وبالانتقال إلى إقليم الوطن القبلي، تستأثر المندوبية الجهوية بنابل بإحياء حرفتي التذهيب والورنيش وصناعة الحصير؛ هذه الأخيرة التي تمثل هوية بيئية واجتماعية ضاربة في القدم لولاية نابل، حيث يتحول النبات البسيط إلى سجاد يروي قصص الصبر والحرفية.
وفي الشمال الغربي، وتحديدًا في مدينة تستور الأندلسية التابعة لولاية باجة، تأتي المبادرة لإنقاذ صناعة القرمود التقليدي، ذلك الابتكار المعماري الذي يمنح المدينة سحرها الخاص ويهدد غيابه بتشوه المعالم التاريخية.
أما في أقصى الجنوب والشرق، فيمتزج البحر بالتراب؛ حيث ينصب التركيز في صفاقس على صون فنون تطريز جزيرة قرقنة الفريد بخيوطه المبهجة، بينما تشهد جزيرة جربة، وتحديدًا بلدة قلالة التاريخية في ولاية مدنين، بعثًا جديدًا لفخارها التقليدي الذي يعد عاصمة الفخار المتوسطي بلا منازع.

تكتسب هذه الشراكة مع منظمة اليونسكو عمقًا تحليليًا خاصًا من خلال ربط الحفاظ على التراث بالتمكين الاقتصادي للشباب، إذ لم يعد السائح العربي أو العالمي يبحث عن مجرد منتج تذكاري جامد، بل أصبح شغوفًا باكتشاف “التجربة الإنسانية” والقصة الكامنة وراء صناعة الأثر.
ومن هنا، فإن تحويل هذه الحرف إلى قطاع حيوي جاذب للشباب يسهم مباشرة في تنويع المنتج السياحي التونسي، والانتقال به نحو “السياحة الثقافية المستدامة” التي تضمن بقاء المجتمعات المحلية في مناطقها الأصلية كحراس لهذا الإرث.
وبناءً على ذلك، دعا الديوان الوطني للصناعات التقليدية الشباب الراغب في ركوب سفينة الإنقاذ الثقافي هذه، وفي تملك مهارات تصنع لهم مستقبلاً مهنيًا مستقلاً، إلى التقدم بترشحاتهم لدى المندوبيات الجهوية للصناعات التقليدية في مختلف الولايات المذكورة، مع تحديد تاريخ الثلاثين من سبتمبر 2026 كأجل أقصى لقبول الملفات، في دعوة مفتوحة لصياغة فصل جديد من فصول المجد الحرفي التونسي، حيث يلتقي طموح الشباب بأصالة الأجداد لضمان ألا تنطفئ الشعلة أبدًا.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *