عبد الوهاب البراري ـ تونس
في قلب البحر الأبيض المتوسط، حيث تتقاطع دروب التاريخ وتتلاقى أمواج الثقافات، تقف تونس كشاهد أزلي على عبقرية المكان والإنسان. ليست هذه الأرض مجرد وجهة سياحية عابرة، بل هي سفر حضاري مفتوح، وخزانة حافلة بأسرار القرون التي تعاقبت عليها. من يطأ أرض تونس الخضراء لا يزور مجرد جغرافيا، بل يدخل في حوار حي مع الماضي، حيث تتنفس الحجارة، وتتحول الآثار إلى شواهد حية تروي كيف التقت على هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة أعظم حضارات العالم القديم والحديث.
هذا الثراء الاستثنائي توج اعترافاً دولياً بارزاً، إذ تضم تونس 10 مواقع مدرجة رسمياً على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، مقسمة بين 9 مواقع ثقافية وموقع طبيعي واحد، وهو ما يمنحها صدارة عربية وريادة إفريقية مطلقة تعكس كثافة تاريخية مذهلة تتركز في مساحة جغرافية لا تتجاوز 163 ألف كيلومتر مربع، لتتحول البلاد إلى متحف مكشوف يزاوج بين سحر الطبيعة وعراقة التاريخ.
تبدأ هذه الرحلة الزمنية من شواطئ قرطاج، وهي أول موقع تونسي أدرجته منظمة اليونسكو عام 1979؛ تلك المدينة الأسطورية التي ولدت من رحم الحلم الفينيقي لتصبح إمبراطورية هزت عرش روما. هنا، بين بقايا الموانئ البونية القديمة ومتحف قرطاج الذي يتربع على هضبة بيرصا، يستحضر الزائر طيف الملكة “عليسة” وهي تؤسس مجداً من العدم، وصدى خطوات القائد الفذ “حنبعل” وهو يخطط لمعاركه التي غيرت مجرى التاريخ العسكري. إن قرطاج ليست مجرد موقع أثري، بل هي رمز للإرادة الإنسانية والقدرة على الانبعاث، حيث تتداخل الأعمدة الرخامية مع زرقة المتوسط لتشكل لوحة بصرية تذكر العالم بأن تونس كانت دائماً قلب العالم النابض وصانعة التحولات الكبرى.

ومع أفول النجم القرطاجي، لم تتوقف عجلة التاريخ، بل تركت الحضارة الرومانية بصماتها العميقة في الجسد التونسي، متمثلة في شواهد معمارية تضاهي، بل وتفوق أحياناً، ما تركته في روما نفسها.
ويتجلى هذا البذخ المعماري في مسرح الجم الأثري (المصنف عام 1979)، ذلك الصرح الهائل الذي يقف شامخاً وسط السهول كأنياب التاريخ، متفوقاً بحالته المحفوظة بعناية على كولوسيوم روما الشهير، ليتحول اليوم من ساحة للمصارعين إلى منبر عالمي للموسيقى السيمفونية.
ولا تكتمل هذه القراءة التحليلية للعصر الروماني دون الدخول إلى أروقة متحف باردو الوطني، الذي لا يعد مجرد مخزن للآثار، بل هو الخزانة الأكبر والأثرى في العالم للوحات الفسيفساء الرومانية التي تجسد ما يقارب 40 ألف موقع ومعلم أثري محلي يزخر به المعهد الوطني للتراث.
في هذا المتحف، تتحول الحجارة الصغيرة الملونة إلى حكايات مرسومة تروي تفاصيل الحياة اليومية، الأساطير، والآلهة القديمة بدقة فنية مذهلة تفوق الوصف، تكتمل روعتها بزيارة مدينة “دقة” الأثرية (المصنفة لليونسكو عام 1997) المحفوظة بالكامل وسط حقول الزيتون، لتقدم نموذجاً حياً للمدينة الرومانية المتكاملة في شمال إفريقيا.
هذا العمق الكلاسيكي سرعان ما اندمج بسلاسة مع التحول الروحي الكبير الذي شهده الفتح الإسلامي، لتكتسي تونس برداء جديد من النور والمعمار الإلهي. وتبرز مدينة القيروان، رابعة الثلاث ومدينة المآذن المصنفة عالمياً منذ عام 1988، كمنارة فكرية ودينية أسست للحضور الإسلامي في شمال إفريقيا.
ويقف جامع عقبة بن نافع، بهيبته المعمارية وأعمدته المتنوعة المستوحاة من الحضارات السابقة، كشاهد على هذا المزج العبقري بين الموروث القديم والرؤية الإسلامية الجديدة.
ويمتد هذا السحر المعماري ليتغلغل في تفاصيل المدن العتيقة في تونس العاصمة وسوسة (المصنفتين عامي 1979 و1988 على التوالي)، حيث الأسواق التقليدية الملتوية، وروائح البخور والياسمين، وجامع الزيتونة المعمور الذي تتدفق من جنباته أنوار العلم والتاريخ، ليثبت أن الكنوز التونسية ليست أطلالاً منسية، بل هي جزء لا يتجزأ من نبض الحياة اليومية للتونسيين.
أما إذا يمم الزائر وجهه نحو الجنوب وسواحل البلاد الجزيرية، فإن التاريخ يتجرد من قوالبه التقليدية ليصبح جزءاً من سحر الجغرافيا وغموضها.
هناك، تنكشف الكنوز المخفية للحضارة البربرية الأصيلة في الجنوب، فضلاً عن جزيرة جربة التي سُجلت عام 2023 كشاهد استثنائي على نمط استيطاني فريد في أرض جزيرية، تلتها قرية سيدي بوسعيد الساحرة التي تُوجت حديثاً عام 2026 كعاشر المواقع التونسية إدراجاً على لائحة التراث العالمي الفاخرة.
ولا يقتصر هذا التميز على المعالم البشرية، إذ تحتضن تونس حديقة إشكل الوطنية (المصنفة لليونسكو عام 1980) بوصفها محمية طبيعية فريدة ومحطة حيوية لمئات الآلاف من الطيور المهاجرة عبر المتوسط. ومع وجود 15 موقعاً تونسياً واعداً إضافياً ينتظر على القائمة الإرشادية المؤقتة لليونسكو (مثل شط الجريد ومائدة يوغرطة)، يتأكد للقارئ أن المخزون الحضاري لهذه الأرض لا ينض


