جليلة كلاعي تونس
في قلب العاصمة السويسرية جنيف، حيث تُصاغ أبجديات العالم التكنولوجي الجديد، لم يكن اللقاء الذي جمع وزير تكنولوجيات الاتصال التونسي، سفيان الهميسي، بالأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات، دورين بوغدان-مارتن، مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كان تجسيداً للحظة فارقة تواجه فيها القوى الرقمية الصاعدة استحقاقات المستقبل؛ فهذا اللقاء الذي يأتي في خضم تحولات جيوسياسية تقودها “البيانات”، يعكس رغبة تونسية وإقليمية في الانتقال من مربع “المستهلك للتقنية” إلى “الشريك في صياغة معاييرها”، وهو ما يضعنا أمام قراءة تحليلية لعمق هذا التعاون الذي يتجاوز حدود الاتفاقيات التقنية الضيقة ليشمل مفاهيم السيادة الوطنية في الفضاء السيبراني.
إن المتأمل في مسار المباحثات يدرك أن تونس، بتفويض مباشر من قيادتها العليا، تطرح اليوم رؤية مغايرة للتعاون الرقمي تقوم على “الإنصاف والشفافية”، وهي مفردات لا تُستخدم في أروقة الاتحاد الدولي للاتصالات من باب الترف، بل للتعبير عن فجوة رقمية عالمية تسعى تونس لردمها عبر بناء نظام متعدد الأطراف يحمي مصالح الدول النامية؛ فالدفع نحو تعزيز الذكاء الاصطناعي وتطوير القدرات البشرية ليس ترفاً تقنياً، بل هو استثمار في “الأصول غير الملموسة” التي ستحدد موازين القوى الاقتصادية في العقد القادم، حيث تصبح الكفاءة الرقمية هي العملة الصعبة الحقيقية، وهنا تبرز أهمية “الالتزام التونسي” كنموذج عربي يسعى لتوطين التكنولوجيا بدلاً من مجرد استيرادها.
ويتجاوز البعد التحليلي لهذا اللقاء الجانب الثنائي ليشمل أفقاً إقليمياً أرحب، فاستحضار نتائج قمة “WSIS+20” ومتابعة مخرجات زيارة الأمينة العامة للاتحاد إلى تونس، يشير إلى وجود “تراكم استراتيجي” وليس مجرد مبادرات منقطعة؛ هذا التراكم يهدف بالأساس إلى جعل تونس منصة لتبادل الخبرات في مجال التحول الرقمي الشامل، وهو ما يعزز من مكانة السياحة الاستثمارية في قطاع التكنولوجيا، ويجعل من تونس وجهة جاذبة للمبتكرين والشركات الكبرى التي تبحث عن بيئة رقمية آمنة ومدعومة بغطاء دولي رفيع، مما يحوّل التعاون الرقمي إلى محرك حقيقي للتنمية المستدامة والنمو الاقتصادي المتكامل.

وفي الختام، يظهر أن مخرجات “لقاء جنيف” تؤسس لمرحلة جديدة من “الدبلوماسية الرقمية”، حيث لم تعد جودة الاتصال تُقاس فقط ب سرعة تدفق البيانات، بل بمدى القدرة على حماية الفضاء الوطني وضمان شمولية التحول لجميع فئات المجتمع؛ إنها رسالة تونسية صريحة من منبر دولي مفادها أن المستقبل يُبنى الآن عبر تحالفات ذكية توازن بين الانفتاح التكنولوجي والسيادة الرقمية، لتظل تونس دائماً في طليعة الدول التي تقرأ المستقبل بلغة الحاضر، وتصنع من التحديات الرقمية جسوراً للعبور نحو عصر النهضة التكنولوجية الشاملة.



