آخر الأخبار

تونس وكندا: تحالف “الأخضر” يرسم ملامح الشراكة العابرة للقارات

شارك

جليلة كلاعي تونس

في الوقت الذي يعيد فيه العالم صياغة خرائط القوة استناداً إلى أمن الطاقة، لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد معبر تجاري، بل أضحى جسراً استراتيجياً للطاقة النظيفة، وهو ما تجسد في اللقاء الأخير الذي جمع كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي في تونس، وائل شوشان، بالمبعوث الكندي الخاص بإفريقيا، بن مارك ديانديري.

هذا اللقاء ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر بمناسبة مرور سبعة عقود على العلاقات الثنائية، بل هو إعلان عن تحول جوهري في طبيعة المصالح المشتركة، حيث تتقاطع الرغبة التونسية الجامحة في تحقيق استقلال طاقي أخضر مع الخبرة الكندية المتطورة في التكنولوجيات النظيفة، مما يمهد لولادة محور جديد يعيد تعريف التعاون “الشمال-جنوب” من منظور الاستدامة والمنافع المتبادلة.

إن المتأمل في العمق التحليلي لهذا التقارب يدرك أن تونس لا تبحث فقط عن استثمارات، بل تسعى لتوطين المعرفة الطاقية كأداة للسيادة الوطنية؛ فهدف الوصول إلى إنتاج 30% من الكهرباء من المصادر المتجددة بحلول عام 2030 يتطلب أكثر من مجرد تركيب ألواح شمسية، بل يستوجب بناء بيئة تشريعية وتقنية قادرة على استيعاب الابتكارات الكندية في مجالات الهيدروجين الأخضر والنجاعة الطاقية.


ومن هنا، تبرز كندا كشريك مثالي يمتلك الريادة في تقنيات خفض الانبعاثات، مما يحول تونس من بلد مستورد للطاقة إلى مختبر إقليمي رائد، يستفيد من موقعه الجغرافي الفريد ليكون منصة انطلاق للشركات الكندية نحو العمق الإفريقي، وهو ما يجسد مفهوم “الشراكة الثلاثية” التي تتجاوز الثنائية الضيقة نحو آفاق قارية أرحب.

ويتجاوز هذا الحراك الطاقي الأبعاد الاقتصادية الصرفة ليمس جوهر السياحة المستدامة، وهي الزاوية التي تهمنا في “مجلة السياحة العربية”؛ فالمشاريع الكبرى في الطاقة الشمسية والرياح لا تساهم فقط في حماية المنظومة البيئية التونسية، بل تخلق نمطاً سياحياً جديداً يعتمد على “الفنادق الخضراء” والمدن المستدامة التي تجذب السائح المعاصر الباحث عن وجهات صديقة للبيئة.

إن الرهان التونسي الكندي اليوم هو رهان على المستقبل، حيث تتحول الرياح والشموس إلى عملة صعبة، وتصبح التكنولوجيا النظيفة هي اللغة الرسمية للدبلوماسية الجديدة، مما يضع تونس في قلب خارطة التحول العالمي، ويؤكد أن الاستثمار في “الأخضر” هو السبيل الوحيد لضمان نمو اقتصادي مرن وقادر على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *