جليلة كلاعي تونس
في مدينةٍ ترقد على تخوم البحر والصحراء، حيث تلتقي زرقة المتوسط بخضرة الواحات، لم يكن افتتاح الدورة الثامنة لمهرجان “قابس سينما فن” مجرد استعراض للسجاد الأحمر أو بروتوكولاً ثقافياً عابراً، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة جبهة إبداعية جديدة تعيد صياغة مفهوم “الاشتباك الفني” مع الواقع.

تحت سماء قابس التي تشبعت بالسينما، انطلقت فعاليات هذه الدورة لترسخ مكانة المهرجان كواحد من أكثر المواعيد السينمائية العربية رصانة وعمقاً، متجاوزاً منطق الفرجة الاستهلاكية إلى رحاب التفكيك البصري للراهن المثقل بالأسئلة والمثقل بالذاكرة الجريحة.
لقد اختارت إدارة المهرجان، بقيادة الممثلة والمنتجة عفاف بن محمود، أن يكون الافتتاح بياناً سياسياً وجمالياً بامتياز، عبر عرض فيلم “فلسطين – سردية منقحة”.
هذا العمل لم يكن فيلماً وثائقياً بالمعنى التقليدي، بل كان عملية “جراحة بصرية” في أرشيف الاستعمار البريطاني، حيث تمت استعادة 77 شريطاً صامتاً لتفكيك الرواية المهيمنة وإعادة بناء السردية الفلسطينية من منظور الضحية الذي يرفض المحو. هنا تكمن عبقرية “قابس سينما فن”؛ فهو لا يكتفي بعرض السينما، بل يسائل الأداة السينمائية نفسها، ويبحث في كيفية تحويل “الصورة” من أداة للقمع أو التنميط إلى وسيلة للتحرر واستعادة الهوية المنهوبة.
هذا التوجه التحليلي العميق انسحب على كافة مفاصل الافتتاح الذي شهد حضوراً وازناً لأسماء صنعت مجد السينما التونسية المعاصرة مثل هند صبري وكوثر بن هنية وظافر العابدين، إلا أن بريق النجومية لم يحجب الجوهر الفكري للمهرجان.
فالمهرجان يصر في دورته الثامنة على كسر الحواجز بين الفنون، دامجاً بين السينما وفنون الفيديو والتنصيبات البصرية، في محاولة لخلق لغة تعبيرية هجينة تعكس تعقيدات العصر الرقمي. إن المتأمل في بنية هذا المهرجان يدرك أنه يراهن على “المشاهد الواعي” لا “المتفرج السلبي”، حيث تتحول قاعات السينما وساحات مدينة قابس إلى مختبرات مفتوحة للنقد والحوار، بعيداً عن المركزية الثقافية للعواصم الكبرى، مما يجعل من قابس قطباً سياحياً ثقافياً فريداً يربط بين جمالية المكان وعمق الطرح المعرفي.

إن ما يميز “قابس سينما فن” هو تلك القدرة الفائقة على المزاوجة بين المحلية الكونية؛ فهو مهرجان ينبت من تربة الجنوب التونسي وهمومه البيئية والاجتماعية، لكنه يحلق في فضاءات الإبداع العالمي، مقدماً قراءات بصرية مغايرة ترفض “الرواية الواحدة” وتنتصر للتعدد. وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات كبرى، يبدو أن هذا المهرجان قد اختار أن يكون “بوصلة” ترشدنا نحو الحقيقة عبر الفن، مؤكداً أن السينما حين تمتلك رؤية، فإنها تصبح أكثر من مجرد صور تتحرك؛ تصبح ذاكرة تقاوم النسيان، وصوتاً يصدح بالحق في وجه الزيف.



