جليلة كلاعي تونس
لطالما كان البحر الأبيض المتوسط في المخيلة الجمعية فضاءً للحروب أو للتنزه، لكنه اليوم يشهد ولادة ملحمة إنسانية مغايرة، يكتب فصولها رعاة وشباب قرروا أن يتكئوا على صخور الجبال حينما خذلتهم السياسات الاقتصادية المركزية؛ فبين هضبة “مورجيا” المترامية في جنوب إيطاليا وجبال “سمّامة” الشامخة في قلب الوسط الغربي التونسي، لم يعد البعد الجغرافي عائقاً أمام وحدة المصير، بل صار منطلقاً لتحالف كوني جديد يُدعى “أفروسك”، وهو حلف لا يقوم على الأوراق الرسمية بقدر ما يقوم على ملمس الصوان ورائحة العجين والقدرة المذهلة على استنطاق الحياة من رحم الجفاف والهشاشة.

إن القارئ المتأمل في جغرافيا المكانين يدرك أن الارتباط ليس وليد الصدفة، بل هو استجابة حتمية لتشابه بنيوي في المحن؛ فكلا المنطقتين تعيشان تحت وطأة “اقتصاد الهامش”، حيث الطبيعة القاسية والتضاريس الوعرة تفرض نمطاً معيشياً شاقاً، وحيث التهميش التنموي كاد أن يحول هذه المرتفعات إلى مجرد أطلال مهجورة.
إلا أن فلسفة هذا التحالف الجديد تتجاوز منطق الاستجداء الاقتصادي نحو “السيادة الإبداعية”، إذ لم يأتِ شباب مورجيا السبعة إلى سمّامة سياحاً، بل جاؤوا بصفة “صنّاع صمود”، حاملين مهارات تحويلية في صناعة الأجبان ومستحضرات التجميل الطبيعية وتقنيات الزراعة المستدامة، ليلتقوا بنظرائهم التونسيين في ورشات عمل لا تهدف لبيع المنتجات فحسب، بل لتثبيت الإنسان في أرضه عبر تثمين ما يراه الآخرون “عدماً” أو “صخوراً صماء”.

هذا التحالف يمثل في عمقه ثورة ثقافية ضد النمطية الاستهلاكية، حيث يتم توظيف الفن الرعوي والموروث اللامادي كأدوات ديبلوماسية ناعمة لفك العزلة عن المناطق “المنسية”؛ فمهرجان الرعاة في سمّامة لم يعد مجرد احتفالية فلكلورية، بل تحول إلى منصة جيوسياسية مصغرة تثبت أن الحلول للأزمات الكبرى، كالفقر والتغير المناخي، قد تنبع من قمم الجبال وليس فقط من صالونات المدن الكبرى.
إنها محاولة جادة لبناء “جسر من الحجر” يربط بين ضفتي المتوسط، يتحدى الهشاشة بالابتكار، ويحول الضعف الطبيعي إلى قوة رمزية واقتصادية، مؤكداً أن الحداثة الحقيقية هي تلك التي تبدأ بإنصاف الأرض التي نمشي عليها بكرامة.



