جليلة كلاعي تونس
ليست مجرد رحلة عبر جغرافيا المدن، بل هي استحضارٌ لزمنٍ أبى أن يغادر، وانبعاثٌ لهوية سكنت الحجر والبشر منذ قرون.
هكذا حطت تظاهرة “طريق الأندلسيين” رحالها في قلب العاصمة تونس، ضمن احتفاليات شهر التراث، لتعيد رسم ملامح الحكاية الموريسكية التي لم تكن يوماً مجرد لجوء، بل كانت إضافة حضارية فارقة غيرت وجه العمارة والمجتمع التونسي.
إن الوقوف اليوم في “نهج الأندلس” أو بين جدران “دار السليمانية” ليس مجرد وقوفٍ على أطلال، بل هو غوصٌ في فلسفة الاندماج التي جعلت من تونس “أندلساً ثانية”، حيث تلتحم الموسيقى بالعمارة، والفكر بفنون العيش، في مشهدية ثقافية تثبت أن التراث ليس مخزناً للذكريات، بل هو كائن حي يتنفس بيننا.
يتجاوز هذا اللقاء الثقافي البعد الاحتفالي الضيق ليطرح تساؤلات عميقة حول جدلية العلاقة بين “الأصل” الأندلسي والـ “فرع” التونسي، فالمداخلات الفكرية التي شهدتها المدينة العتيقة لم تكتفِ بسرد التاريخ، بل حللت الأثر الموريسكي بوصفه محركاً اقتصادياً واجتماعياً أسس لنهضة المدن التونسية.
فمن “تستور” التي كانت الانطلاقة، وصولاً إلى أزقة العاصمة الضيقة، يتجلى التراث المعماري كشاهد إثبات على عبقرية المهندس الأندلسي الذي طوع الطوب والقرميد ليخلق لغة بصرية تزاوج بين الحنين والواقع. إن عرض الوثائقيات السينمائية وسط معالم تاريخية لم يكن عبثاً، بل كان محاولة لكسر الحاجز الزمني، وجعل المشاهد يعيش صدمة الخروج الأندلسي الكبير ثم نشوة التأسيس الجديد فوق هذه الأرض المضيافة.
ولعل القيمة المضافة لنسخة هذا العام تكمن في توظيف التكنولوجيا المعاصرة لاستنطاق المعالم العتيقة؛ فالعروض الضوئية والفنية التي زينت شارع الحبيب بورقيبة والمعالم التاريخية المحيطة به، لم تكن مجرد زينة بصرية، بل هي إعادة قراءة عصرية للتراث، تحاول مد الجسور مع الأجيال الجديدة.
هذه “الإضاءات” هي في جوهرها انعكاس للروح الأندلسية المتجددة التي ترفض الجمود، تماماً كما أن عروض الموسيقى الأندلسية واللباس التقليدي ليست إلا صرخة هوية تؤكد أن التونسيين نجحوا في تحويل “المأساة الموريسكية” إلى “ملحمة ثقافية”.

إن “طريق الأندلسيين” اليوم هي دعوة مفتوحة للتأمل في كيف يصنع المهاجر وطناً، وكيف يحافظ الوطن على روح المهاجر، لتظل تونس دائماً تلك الواحة التي تلتقي فيها الحضارات لتصنع استثناءً تونسياً بعبق أندلسي لا يزول.



