تونس الإبداعية: حين تبتكر الأصالةُ وجه الوجهة السياحية الجديد

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم يعد السائح المعاصر يبحث عن مجرد شاطئ مشمس أو فندق فاخر، بل أضحى يقتفي أثر “الروح” في تفاصيل الأشياء، تلك الروح التي تسكن أنامل الحرفيين وتتجلى في انحناءات الخزف وحياكة النسيج

ومن هذا المنطلق، جاء اختتام مشروع “تونس الإبداعية” (Creative Tunisia) برئاسة وزير السياحة سفيان تقية، ليشكل لحظة فارقة تتجاوز بروتوكولات الاختتام التقليدية، لتعلن عن ولادة فلسفة اقتصادية جديدة تدمج بين التراث كإرث حضاري وبين الصناعات التقليدية كرافعة استراتيجية للنمو السياحي، فالمشروع لم يكن مجرد برنامج دعم عابر، بل كان محاولة جادة لإعادة صياغة الهوية الحرفية التونسية ضمن قوالب عصرية تضاهي المعايير العالمية، حيث أكدت مخرجاته أن الابتكار ليس عدواً للأصالة، بل هو الضامن الوحيد لاستمرارها في عالم يقدس التنافسية.

إن المتأمل في الأرقام التي أفرزها هذا المشروع، من دعم لـ 17 تجمعاً حرفياً ومرافقة مئات المؤسسات، يدرك أن العمق الحقيقي يكمن في التحول من “الحرفة المعيشية” إلى “المؤسسة المهيكلة”، فقد نجح البرنامج في كسر عزلة الحرفي البسيط ليضعه في قلب سلاسل القيمة، محولاً ورشته الصغيرة إلى وحدة إنتاجية قادرة على التصدير والمنافسة، وهذا الانتقال النوعي هو ما وصفه الوزير بالرافد الأساسي لتنويع المنتج السياحي.

فالسياحة التونسية اليوم بصدد الانتقال من نمط التلقي السلبي إلى نمط التجربة التفاعلية، حيث يصبح “المنتوج التقليدي” سفيراً متجولاً يحمل في تفاصيله قصصاً وتاريخاً، مما يعزز من جاذبية الوجهة التونسية ويمنحها بصمة فريدة لا يمكن استنساخها في وجهات منافسة، خاصة مع إدماج طاقات الشباب وخريجي التعليم العالي الذين ضخوا دماءً تكنولوجية وتصميمية جديدة في عروق الحرف القديمة.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن استدامة هذه الديناميكية تظل رهينة القدرة على الرقمنة والبحث العلمي، وهو ما يفرض على الفاعلين في القطاع تجاوز مرحلة “الاحتفاء بالنتائج” إلى مرحلة “مأسسة الإبداع”.

إن مراكز التصميم التي استُحدثت في الجهات ليست مجرد مبانٍ، بل هي مختبرات لصناعة المستقبل، حيث يلتقي ذكاء الآلة ببراعة اليد البشرية، وفي ظل هذا التوجه، تصبح الصناعات التقليدية هي المحرك الصامت لاقتصاد المعرفة والجمال، فالمرحلة القادمة تتطلب تكثيف الجهود لفتح أسواق دولية جديدة لا تكتفي باقتناء المنتج، بل تقدر القيمة المضافة الكامنة خلفه، لتبقى “تونس الإبداعية” نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التراث من “ماضٍ يُستذكر” إلى “مستقبل يُعاش ويُستثمر”، محققة بذلك التوازن الصعب بين حماية الذاكرة الوطنية وتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *