آخر الأخبار

نبض الذاكرة العربية: كيف تُعيد تونس صياغة فلسفة البقاء لمعالمها التاريخية؟

شارك

جليلة كلاعي تونس

تتنفس الحجارة في عالمنا العربي تاريخاً، لكنها تواجه اليوم اختباراً عسيراً بين مطرقة التوسع العمراني المتسارع وسندان التغيرات المناخية التي باتت تهدد الهوية البصرية للحواضر التاريخية، مما يجعل التساؤل عن جدوى آليات الحماية التقليدية أمراً ملحاً لا يقبل التأجيل.
لم يعد التعامل مع التراث الإنساني مجرد ترف ثقافي أو حنين عاطفي إلى الماضي، بل تحول إلى معركة استراتيجية لإدارة الأصول الثقافية وتوظيفها كمحرك للتنمية المستدامة، وهو ما تجسد بشكل جلي في الحراك العلمي الأخير الذي شهدته العاصمة التونسية.
من قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، انطلقت مقاربة وطنية جديدة تشخص واقع المواقع الأثرية والمجموعات التاريخية، واضعةً النظم التشريعية والآليات الميدانية على طاولة التشريح الأكاديمي الصارم تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية التونسية، لبناء نموذج تصرف عملي يوازن بين قدسية الأثر ومتطلبات العصر.

العمق التحليلي لهذا الحراك التونسي يتجاوز فكرة الترميم السطحي ليرتكز على إعادة هندسة “مخططات التصرف التراثي” وفق قراءة معاصرة للاتفاقيات الدولية التي لم تعد تكتفي بتحديد المسؤوليات القانونية للدول، بل باتت تشترط إدماج المجتمعات المحلية في حماية إرثها.
إن المقارنة المنهجية التي طرحها الخبراء بين نظام التصرف الوطني التونسي والنماذج الدولية الرائدة تكشف عن فجوة هيكلية تتطلب الانتقال السريع من منطق “الحراسة السلبية” للمواقع إلى منطق “الإدارة النشطة والمثمرة”.
هذا التحول يتطلب بالضرورة تطوير أدوات ترتيب التهيئة العمرانية، بحيث لا تظل المواقع الأثرية مساحات تراثية هامشية، بل تندمج كعناصر حيوية ضمن المخططات التوجيهية للمدن الحديثة، مما يضمن حمايتها بقوة القانون التجاري والعمراني لا بقانون حماية الآثار وحده.

إن استدامة الموروث الثقافي العربي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى وضوح الضوابط التشريعية والمعايير العلمية التي تنظم التدخلات الميدانية اليومية، حيث إن غياب التنسيق بين الجهات المتداخلة غالباً ما يؤدي إلى تآكل الهوية المعمارية للمجموعات التاريخية.

من هنا، تبرز المبادرات الميدانية المتزامنة التي تقودها وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية بالتعاون مع المعهد الوطني للتراث كترجمة عملية لهذه الفلسفة، حيث تعكس الحملات الوطنية لتنظيف وصيانة المواقع شعاراً يتجاوز البعد الجمالي إلى البعد الوجودي.

إن حماية التراث في تونس اليوم تقدم نموذجاً يحتذى به في السياحة العربية، يعتمد على تحويل المعالم من مجرد مزارات جامدة إلى فضاءات حية تصنع الوعي المجتمعي وتدعم الاقتصاد الوطني، ممهدةً الطريق لجيل جديد من الإدارة الثقافية التي تقرأ الماضي لتؤمن المستقبل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *