جليلة كلاعي تونس
خلف الشواطئ الساحرة لمدينة سوسة، وحيث تلتقي زرقة المتوسط بعراقة التاريخ، ينبض قلب استثماري من نوع آخر يعيد رسم ملامح المستقبل الاقتصادي لشمال إفريقيا.

لم يعد الحديث اليوم عن تونس كمجرد وجهة سياحية تستقطب عشاق الشمس والشواطئ، بل كحاضنة ذكاء جاذبة لأعتى المجموعات الصناعية في العالم.
هذا التحول الاستراتيجي تجسد بوضوح في التدشين الرسمي لأحدث مراكز البحوث والتطوير التكنولوجي والدراسات الهندسية التابع للمجموعة الألمانية العملاقة “LAPP” في معتمدية أكودة، تحت إشراف وزارة الاقتصاد والتخطيط التونسية.
هذا الحدث لا يمثل مجرد حجر أساس لمشروع استثماري جديد، بل يعلن بصوت عالٍ عن انتقال تونس الجذري من مرحلة “التصنيع وتجميع المكونات” إلى مرحلة “تصدير الذكاء والهندسة الابتكارية”، وهو ما يمنح الاقتصاد المحلي أبعاداً سيادية وتنافسية غير مسبوقة في الخارطة العالمية لصناعة الكوابل والحلول الإلكترونية المعقدة.
يأتي اختيار العملاق الألماني لولاية سوسة ليكون مقراً لمركزه البحثي الجديد كاعتراف صريح بنضج منظومة التعليم العالي والتدريب الهندسي في تونس.
إن انطلاق المركز بنواة أولى تضم عشرات المهندسين التونسيين، مع خطط توسع متسارعة تهدف لبلوغ مئات الإطارات الهندسية على المدى المتوسط، يعكس ثقة رأس المال الأجنبي في قدرة الكفاءات المحلية على إدارة وتطوير مشاريع تكنولوجية فائقة الدقة.
هؤلاء المهندسون الشباب لن ينخرطوا في مهام روتينية، بل سيتولون ابتكار وتطوير حلول هندسية متقدمة موجهة لحرفاء المجموعة عبر مختلف الأسواق العالمية، مما يضع العقول التونسية في قلب الثورة الصناعية الرابعة ويوفر بديلاً حقيقياً ومستداماً يحد من ظاهرة هجرة الأدمغة نحو الخارج.
هذا التوجه نحو الاستثمار في العقل البشري، يمثل عمق الرؤية التحليلية للاقتصاد التونسي الحديث، فالقيمة المضافة لم تعد تكمن في اليد العاملة منخفضة التكلفة، بل في القدرة على توليد الأفكار وبراءات الاختراع والحلول اللوجستية الرقمية.
وفي خطوة تبرهن على شمولية الاستراتيجية الألمانية، لم تكتفِ مجموعة “LAPP” بالجانب البحثي، بل أعلنت بالتوازي عن بدء إجراءات اقتناء مصنع بجهة الوطن القبلي ليكون أول موقع إنتاج فعلي لها في البلاد، لتنضم تونس بذلك إلى شبكتها العالمية المكونة من سبع وعشرين وحدة إنتاج.

هذا التكامل بين البحث العلمي في سوسة والإنتاج الصناعي في الوطن القبلي يخلق نظاماً بيئياً متكاملاً (Ecosystem) يرفع من درجة اندماج الاقتصاد التونسي في سلاسل القيمة العالمية، ويعزز من جاذبية البلاد كمنصة محورية مستقرة وقريبة من الأسواق الأوروبية، قادرة على تحويل التحديات الاقتصادية الحالية إلى فرص حقيقية للنمو والريادة في تكنولوجيا التوصيل الصناعي والكهربائي.



