جليلة كلاعي تونس
لم يعد البحر في تونس مجرد فضاء للاستجمام العابر أو جغرافيا للاسترخاء الصيفي، بل تحول إلى شريان اقتصادي حيوي وقضية سيادية ترتبط بمستقبل الأجيال، هذا ما صاغه بوضوح الملتقى الوطني حول “السياحة الساحلية المستدامة في الفضاء المتوسطي” المنعقد في مايو 2026.

إن هذا الحدث البارز لا يمثل مجرد اجتماع بروتوكولي للمسؤولين والخبراء، بل يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة السياحية التونسية، التي بدأت تتخلى تدريجياً عن الأنماط التقليدية المستهلكة للموارد، لتتبنى مفهوماً أعمق يزاوج بين نمو “الاقتصاد الأزرق” وصيانة النظم البيئية الهشة للشريط الساحلي الممتد عبر أقاليم البلاد الخمسة.

تتجاوز الرؤية التونسية الجديدة منطق المركزية الجغرافية لتقدم مقاربة إقليمية مبتكرة، تعيد صياغة العلاقة بين الساحل والداخل؛ فالإستراتيجية الحالية لا تنظر إلى الشواطئ ككيانات معزولة، بل كأقطاب تنموية متكاملة تشد عضد “العمق الترابي” للمواطنين وتثمن خصوصياتهم الثقافية والطبيعية.

هذا الربط العضوي يهدف إلى خلق توازن ديموغرافي واقتصادي، يحمي المدن الساحلية من الضغط المتزايد، ويمنح المناطق الداخلية فرصة الاستفادة من التدفقات السياحية عبر مسارات سياحية مشتركة، تحول التنوع الحضاري والبيئي التونسي إلى منتج استثماري ذي قيمة مضافة عالية ترفع من مستوى معيشة السكان بصفة مباشرة.

وفي عمق هذه التحولات، تبرز الأرقام كشاهد على جاهزية البنية التحتية التونسية لقيادة هذا التحول الإقليمي في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ بامتلاكها لستة موانئ ترفيهية رئيسية تضم أكثر من 2930 حلقة رسو، تؤسس تونس لمنظومة متكاملة لسياحة اليخوت والأنشطة البحرية النظيفة.

بالتوازي مع هذا الزخم البحري، يعزز قطاع العلاج بمياه البحر مكانة البلاد الدولية كوجهة عالمية ثانية في السياحة الاستشفائية، وهو قطاع لا يكتفي بجذب العائدات المالية، بل يمثل نموذجاً حياً لكيفية استغلال الثروات البحرية الطبيعية بشكل مستدام وطبيعي دون الإضرار بالبيئة المحيطة.
ولا تكتمل هذه اللوحة التنموية دون التمعن في الدور الإستراتيجي للجزر التونسية، التي تحولت إلى منصات حقيقية للابتكار البيئي ومختبرات مفتوحة لتطبيقات الطاقة المتجددة والتصرف الذكي في الموارد.
وإذا كانت جزيرة جربة تقود هذا التوجه كنموذج مثالي يدمج بين سحر التراث وعصرنة الاستدامة، فإن جزر قرقنة والكنايس وزمبرة تفتح آفاقاً بكرًا لتطوير السياحة البيئية والعلمية، مما يجعل من هذه الفضاءات المعزولة رافعة اقتصادية تربط الشباب المحلي بفرص استثمارية واعدة في مجالات النقل البحري المستدام والابتكار الأزرق، لتثبت تونس مجدداً أن حماية الطبيعة هي الاستثمار الأبقى والأكثر ربحية في عالم الغد.



