آخر الأخبار

جربة “بلا بلاستيك”: ثورة خضراء تقود مستقبل السياحة المستدامة في تونس

شارك

جليلة كلاعي تونس

تخيل جزيرة أسطورية تغفو على كتف المتوسط، يغازل نسيجها المعماري الفريد زُرقة البحر، وتتنفس تاريخاً يعود لقرون من التعايش، لكنها اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم لمواجهة الغزو الصامت للمواد البلاستيكية.

هذا ليس مشهداً من رواية بيئية متخيلة، بل هو الواقع الصارم الذي دفع بوزير السياحة التونسي، سفيان تقية، من مكتب مدنين، لإطلاق صيحة فزع ودعوة استنهاضية شاملة لإنجاح برنامج “جربة دون بلاستيك”. إنها ليست مجرد حملة تنظيف موسمية، بل هي إعلان لثورة ثقافية واقتصادية تهدف إلى إعادة صياغة هوية الوجهة السياحية التونسية الأكثر جذباً، في وقت باتت فيه الاستدامة البيئية العملة الصعبة والشرط الأول لجاذبية المقاصد العالمية.

حين نغوص في عمق هذا القرار، نجد أن جربة -التي تستقطب وحدها قرابة ربع الليالي السياحية المقضاة في تونس- تم اختيارها لتكون المختبر الحي لهذه التجربة النموذجية.

إن تفعيل قرار منع إنتاج الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد، وتوزيعها ومسكها، يمثل ذروة الوعي بالترابط العضوي بين جودة البيئة ومستقبل الاستثمار السياحي. فالزائر الحديث لم يعد يبحث عن الفنادق الفاخرة بقدر بحثه عن تجارب أصيلة في بيئات بكر تحترم الطبيعة وتصون مواردها. من هنا، يصبح منع البلاستيك في جزيرة مصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو خطوة استراتيجية لتحصين أمنها البيئي، وتحويلها إلى علامة تجارية عالمية للسياحة الخضراء والمسؤولة.

التحول نحو جزيرة خالية من البلاستيك ليس مجرد ترف تشريعي، بل هو معركة وعي مجتمعي تتطلب تفكيك عادات استهلاكية تجذرت عبر العقود. يدرك صُناع القرار في تونس أن النصوص القانونية تظل حبراً على ورق ما لم تشرك المجتمع المدني، والتجار، والحرفيين في صياغة البدائل.

وهنا تبرز العبقرية المحلية في إحياء “قفة السعف” التقليدية كبديل حضاري وبيئي واقتصادي؛ حيث يتحول التحدي البيئي إلى فرصة ذهبية لإنعاش الصناعات التقليدية وخلق فرص عمل جديدة للمرأة الريفية والحرفيين في المنطقة. هذا التشابك بين البيئة والموروث الثقافي يمنح البرنامج عمقاً إنسانياً يتجاوز الطابع الإداري الصارم للحظر والردع وحجز المواد المخالفة مجهولة المصدر.

وفي قراءة أوسع لأبعاد هذا التوجه الاستراتيجي، لا يمكن فصل برنامج “جربة دون بلاستيك” عن الرؤية التنموية الشاملة لولاية مدنين بأكملها.
إن السعي لدمج بلديات إضافية مثل بوغرارة وسيدي مخلوف ضمن قائمة البلديات السياحية، يهدف بالأساس إلى تحويل مدنين إلى أول “ولاية سياحية مستدامة بالكامل” في البلاد.
هذا التوسع الجغرافي للوعي البيئي يعكس رغبة حقيقية في خلق حزام سياحي متكامل، يربط سحر الشواطئ بجاذبية السياحة الثقافية والبيئية في العمق الجغرافي للجهة، مما يضمن توزيعاً عادلاً للثروة السياحية ويخفف الضغط على المنظومة البيئية الهشة للجزيرة.

إن نجاح معركة جربة ضد البلاستيك سيمهد الطريق بلا شك لتجربة تونسية رائدة يمكن تعميمها على كافة البلديات والمناطق السياحية من بنزرت إلى جرجيس.


إنها رسالة قوية يوجهها قطاع السياحة التونسي إلى العالم، مفادها أن حماية النظم البيئية لم تعد مجرد شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل هي سياسة ميدانية صارمة، وخيار سيادي يحدد ملامح تونس المستقبل؛ تونس التي ترحب بزوارها بطبيعة نقية، وهواء عليل، وبحر يخلو من شوائب العصر الحديث.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *