آخر الأخبار

تونس في يوم المتاحف العالمي: قراءة في فلسفة الجدران الحية ومستقبل الذاكرة الحضارية

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تدلف إلى فضاء متحفي في تونس، فأنت لا تدخل مكاناً يحصي الأيام الراحلة، بل تقتحم فضاءً يرفض الموت، فضاء تتنفس فيه لوحات الفسيفساء الرومانية هواء العصر، وتتحدث فيه مخطوطات القيروان الكوفية بلسان الغد، لتعلن أن تونس لم تكن يوماً مجرد محطة عابرة في التاريخ، بل كانت دائماً مصنعاً له.

 

 

في الثامن عشر من ماي من كل عام، لا تحيي تونس اليوم العالمي للمتاحف كبروتوكول احتفالي عابر، بل تعيد صياغة وعيها القومي حول ماهية “المتحف” الذي تحول من مجرد مستودع نخبوي للتحف الجافة، إلى منصة سجال فكري وتواصل إنساني يربط هوية الإنسان التونسي بجذوره الكونية الممتدة عبر آلاف السنين من التلاقح القرطاجي، الروماني، البيزنطي، والإسلامي.

إن القيمة التنافسية لشبكة المتاحف التونسية، وعلى رأسها المتحف الوطني بباردو أو متاحف سوسة والجم ورقادة، لا تكمن في حجم المقتنيات أو فرادتها العالمية فحسب، بل في قدرتها على تجسيد العبقرية البشرية في أبهى تجلياتها.

إن المعضلة التحليلية التي تواجهها هذه المؤسسات اليوم تتجاوز فكرة العرض الكلاسيكي إلى تحدي “أنسنة” التراث، أي تحويل الأثر من مادة جامدة تثير إعجاب السائح، إلى شفرة ثقافية حية تحاكي قضايا العصر ومشاغله.

هذا البعد العميق هو ما يجعل التظاهرات السنوية، التي ترعاها وزارة الشؤون الثقافية التونسية بالتنسيق مع الهيئات الدولية مثل المجلس الدولي للمتاحف (ICOM)، تتجاوز مبدأ مجانية الدخول الشكلي، لتتحول إلى ورشات تفاعلية مفتوحة تعيد بناء علاقة المواطن والمستكشف العربي بالمكان، جاعلة من التراث عنصراً فاعلاً في التنمية المستدامة والسياحة الثقافية الواعية.

ومع ذلك، فإن هذا الارتداد المعرفي نحو الجذور يضع التجربة التونسية أمام استحقاقات تكنولوجية وأخلاقية بالغة الأهمية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

لم يعد المتحف محصناً خلف جدرانه الفيزيائية، بل صار مجبراً على خوض معركة الوجود الرقمي لحماية حقوقه الفكرية واسترجاع ممتلكاته المنهوبة عبر العصور، وهي المسألة التي تدفع بتونس اليوم نحو شراكات استراتيجية مع منظمات دولية كاليونسكو لتطوير متاحف افتراضية واستخدام التقنيات الحديثة في تتبع وحماية الآثار النادرة وتوثيقها.

إن الاحتفاء باليوم العالمي للمتاحف في تونس هو في جوهره وقفة تأمل نقدية تقطع مع النظرة الفلكلورية الضيقة للتراث، لتؤسس لوعي سياحي وثقافي عربي جديد، يؤمن بأن الحفاظ على هذه الكنوز الوطنية ليس ترفاً معرفياً، بل هو صمام الأمان الوحيد لتحصين الهوية المشتركة وصناعة مستقبل أكثر عمقاً وأصالة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *