آخر الأخبار

تونس الخضراء.. حين يتحول التنوع البيولوجي من إرث بيئي إلى قاطرة للسياحة الفاخرة والاستثمار المستدام

شارك

جليلة كلاعي تونس

في قلب المتوسط، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، لا تبوح تونس بأسرارها عبر شواطئها الذهبية أو آثارها القرطاجية فحسب، بل في تفاصيل نظام بيئي فريد يمثل الرئة الحقيقية لاقتصادها الجديد.
إن إعلان وزارة البيئة التونسية مؤخراً عن كون التنوع البيولوجي ثروة وطنية تستوجب الاستثمار والحماية، ليس مجرد التزام بيئي عابر، بل هو إعادة صياغة للمشهد السياحي والاستثماري في المنطقة، فالبلد الذي عُرف تاريخياً باسم “تونس الخضراء” يواجه اليوم تحدياً مصيرياً يتمثل في تحويل التنوع الحيوي من مجرد رصيد طبيعي مهدد بالتغيرات المناخية، إلى رافعة استراتيجية تضع تونس في صدارة الوجهات العالمية للسياحة البيئية الفاخرة والمسؤولة.

هذا التحول العميق ينطلق من قراءة تحليلية واعية لواقع المناخ العالمي، حيث لم تعد السياحة مجرد منتجعات شاطئية، بل تجربة حية يبحث فيها المسافر المعاصر عن التناغم مع الطبيعة.

إن الخطوات السيادية التي اتخذتها تونس، وعلى رأسها صياغة أول قائمة وطنية حمراء للأنواع المهددة بالانقراض، تعكس نضجاً مؤسساتياً يدرك أن حماية الطيور المهاجرة في محمية “إشكل” أو صون النباتات النادرة في المرتفعات الغربية هي في حد ذاتها حماية للمنتج السياحي الوطني.

هذا التقييم العلمي الدقيق للأنظمة البيئية يمنح تونس مصداقية دولية، تُوجت بنيلها “ميدالية التميز” في المؤتمر العالمي للطبيعة، مما يرفع من قيمتها السوقية كوجهة جاذبة للاستثمارات الخضراء والتمويلات الدولية التي تبحث عن مشاريع ذات أثر بيئي حقيقي ومستدام.

ومن هذا المنطلق، يتجاوز مفهوم الاستثمار في التنوع البيولوجي حدود الحظر والمنع، ليتسع نحو الإدماج الشامل للبيئة في المنظومة التنموية عبر خلق ما يُعرف بـ “الوظائف الخضراء”.

وتتجلى هذه الرؤية في المشاريع الهيكلية الكبرى مثل مشروع “الحزام الأخضر” الطموح، والذي لا يقف عند حدود كونه درعاً بيئياً لحماية البلاد من زحف الصحراء، بل يمثل منصة استثمارية ضخمة لتطوير السياحة الصحراوية والريفية، وتثمين النباتات الطبية والعطرية المحلية.

إن ربط حماية الطبيعة بالتمكين الاقتصادي للمجتمعات المحلية في المحافظات الداخلية يضمن استدامة هذه المشاريع، حيث يتحول المواطن المحلي من مستهلك للمحيط البيئي إلى حارس مستفيد منه، مما يثري تجربة السائح العربي والأجنبي الذي يبحث عن الأصالة والتفاعل الإنساني العميق.

وفي المحصلة، فإن معركة تونس من أجل الحفاظ على تنوعها البيولوجي وتجاوز نسبة خمسين بالمئة من أهدافها الوطنية في هذا المجال، هي في الجوهر معركة لبناء هوية سياحية متجددة وغير تقليدية.

إن تحقيق الأمن الغذائي والمائي والصحي عبر صون الطبيعة هو الضمانة الوحيدة لاستمرار التدفق السياحي على المدى الطويل، في عالم باتت فيه الجودة البيئية للمقصد السياحي جزءاً لا يتجزأ من جودة الإقامة.

تونس اليوم تقدم نموذجاً ملهماً في المنطقة العربية، يثبت أن الاستثمار في حماية الطبيعة ليس رفاهية فكرية، بل هو الاستثمار الأكثر ربحية وأماناً للمستقبل، حيث تصبح الطبيعة الخلابة هي العلامة التجارية الأغلى للبلاد والركيزة الأساسية لاقتصاد سياحي أخضر ومرن.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *