جليلة كلاعي تونس
في عصر تتدفق فيه المعلومات عبر الفضاء الرقمي بسرعة الضوء، لم تعد وكالات الأنباء مجرد ناقل للحدث، بل أصبحت صانعة للمشهد، ومهندسة للصورة الذهنية التي تبنى عليها خيارات المسافرين وتوجهات المستثمرين حول العالم.
من هذا المنطلق، يكتسب توقيع مذكرة التفاهم بين وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات) ووكالة الأنباء البرتغالية “لوزا” أبعاداً استراتيجية تتجاوز حدود العمل الصحفي الروتيني، لتبني جسراً ثقافياً وسياحياً متيناً يربط ضفتي البحر الأبيض المتوسط بالعمق الأطلسي.
إن هذا التقارب الإعلامي يعكس وعياً عميقاً بأن تنشيط الحركة السياحية وصناعة الوجهات الجاذبة يبدآن أولاً من تداول القصة الإخبارية الصادقة، وتبادل الصور والمضامين السمعية البصرية التي تبرز المخزون الحضاري لكلتا الدولتين.
يأتي هذا التعاون في توقيت دقيق يواجه فيه قطاع السياحة العالمي تحديات تفرض على الدول التفكير بأساليب غير تقليدية للتسويق والترويج. ولعل اختيار اللغة الإنجليزية كقناة رئيسية لتبادل هذه المضامين يمثل رؤية ثاقبة تهدف إلى كسر الحواجز اللغوية المحلية، ومخاطبة السائح الدولي عبر نافذتين إعلاميتين تتمتعان بمصداقية عالية وحرفية مشهود لها.
من خلال هذا التبادل الممنهج، ستتحول منصات الوكالتين إلى بوابات حية تعرض تفاصيل الحياة اليومية، والمهرجانات الثقافية، والمعالم التاريخية في تونس والبرتغال، مما يساهم بشكل مباشر في إعادة صياغة الوعي السياحي المشترك وتوجيه بوصلة المسافرين نحو وجهات جديدة ومبتكرة.
إن النظرة التحليلية لعمق هذا الاتفاق تكشف عن رغبة واضحة في الاستفادة من عناصر القوة المتبادلة، حيث تلتقي التجربة الرقمية المتطورة وشبكة الوسائط المتعددة التي تتميز بها وكالة “لوزا”، مع الرصيد التاريخي والمصداقية التحريرية والنفاذ الإقليمي لوكالة “وات”.
هذا المزيج بين التطور التكنولوجي والرصانة الصحفية سيثمر بلا شك محتوى إعلامياً سياحياً قادراً على التأثير في صناع القرار السياحي والشركات السياحية الكبرى.
وعلاوة على ذلك، فإن تبادل الوفود الإعلامية والصحفية المنصوص عليه في المذكرة سيسمح لصحفيي البلدين بمعاينة المقومات السياحية على أرض الواقع، ونقل تجارب السفر بعيون احترافية، مما يضفي لمسة من الواقعية والعمق على المقالات والتقارير المنتجة.
في النهاية، لا يمكن فصل هذا التناغم الإعلامي عن الحاضنة الدبلوماسية الرسمية، حيث لعبت سفارة تونس بالبرتغال دوراً محورياً في تنسيق هذا التقارب وتوجيهه لخدمة المصالح المشتركة.
إن تمديد مفعول هذه المذكرة ليكون قابلاً للتجديد تلقائياً يترجم رغبة حقيقية في بناء شراكة مستدامة وطويلة الأمد، لا تقتصر على حدث عابر بل تؤسس لتدفق معرفي وإخباري مستمر.
ومن خلال مجلة السياحة العربية، نرى في هذه الخطوة نموذجاً يحتذى به في كيفية تسخير “دبلوماسية الكلمة” لخدمة التنمية الاقتصادية والثقافية، وتحويل الخبر الصحفي إلى محرك يدفع قوافل السياح والزوار لاكتشاف سحر قرطاج وشواطئ المتوسط، في مقابل التعرف على أسرار لشبونة وثقافة الأطلسي.



