آخر الأخبار

أقواس قرطاج وبوابات العبور: كيف صاغت أنامل “نور وسليمة” وجه تونس السياحي لعام 2027

شارك

جليلة كلاعي تونس

حينما تنفتح الأبواب، لا ينفتح معها الجدار فحسب، بل تنفتح معه الجغرافيا على التاريخ، وتتحول العمارة من حجارة صامتة إلى رسائل ترحيب كونية عابرة للحدود.

هذا التكثيف الرمزي البديع هو بالضبط ما نجحت فيه الطالبتان نور جنات الدخلاوي وسليمة بن حريز، بنيلهن الجائزة الأولى في المسابقة الوطنية لإعداد الشعار والهوية البصرية لحدث “تونس عاصمة السياحة العربية 2027”

إن هذا التتويج المستحق ليس مجرد فوز في مسابقة طلابية، بل هو إعلان عن ولادة فلسفة بصرية جديدة تعيد تقديم الخصوصية التونسية للعالم العربي بروح شبابية متجددة، تبرهن على أن عمق الإرث الحضاري التونسي يمكن إعادة إنتاجه بأدوات العصر الرقمي دون المساس بأصالته، محولاً المفردات التراثية إلى لغة تواصل مرئية تتجاوز النمطية الترويجية المستهلكة نحو آفاق جمالية وفلسفية أرحب.

التحليل البنيوي للشعار الفائز يكشف عن ذكاء وتفوق في قراءة الفراغ وتوظيف الرمزية المعمارية، فالتصميم لا يكتفي بمحاكاة الأقواس التقليدية التونسية، بل يقدم رؤية قائمة على “فلسفة البوابات المتداخلة”، حيث تتولّد من الأبواب الثلاثة المتعانقة أبواب أخرى في حركة بصرية مستمرة ترمز إلى اللانهائية والانفتاح الثقافي والتواصل الإنساني.

هذا التداخل الهندسي يستحضر فوراً الطراز المعماري المميز للمدن العتيقة التونسية ويتقاطع مع تفاصيل صناعة “الجليز” العريقة، محولاً الشعار من مجرد علامة تجارية إلى سردية بصرية متكاملة تحكي قصة بلد كان تاريخياً، ولا يزال، معبراً للحضارات ومحطاً لالتقاء الثقافات.

إن المزاوجة بين الخط العربي الرصين والانسيابية الهندسية في الأبواب تمنح الهوية صبغة مؤسساتية وفي ذات الوقت حيوية ترحيبية، وهو التوازن الذي تطلبه المنظمات السياحية الكبرى في صياغة هويتها للمستقبل.

ويمتد هذا النضج التصميمي إلى الاختيارات اللونية الذكية التي تعكس تقشفاً واعياً يركز على الجوهر ويمنح العلامة مرونة بصرية فائقة للتطبيق على مختلف المحامل الرقمية والورقية.
فتدرجات الأزرق المتوسطي تحاكي بساطة ونقاء مدن الساحل التونسي مثل سيدي بوسعيد، بينما تتدفق الألوان الصفراء والذهبية لتحمل دفء الصحراء الممتدة وأشعة الشمس التي لا تغيب عن هذا الوطن، مما يصنع حواراً بصرياً ممتعاً بين البيئات الطبيعية المتنوعة التي تزخر بها تونس.

إن هذا المزيج البصري، الذي تم اختياره وإقراره بإشراف نخبوي جمع بين وزارتي السياحة والتعليم العالي وبحضور رسمي عربي ومحلي واسع ، يمثل حجر الأساس لإستراتيجية اتصالية طموحة، تهدف إلى جعل عام 2027 ليس فقط تظاهرة سياحية عابرة، بل نقطة تحول كبرى لاستعادة تونس بريقها كعاصمة دائمة للجمال، والثقافة، والضيافة العربية المتجذرة في التاريخ.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *