آخر الأخبار

آفاق جديدة للشراكة الاستراتيجية: كيف تعيد تونس والمؤسسة الدولية الإسلامية رسم خارطة التجارة البينية؟

شارك

جليلة كلاعي ـ تونس 

تحتفظ تونس دائماً بموقعها كحلقة وصل حيوية بين ضفتي المتوسط وعمق القارة الإفريقية، وهي ميزة جغرافية واقتصادية تجعلها محوراً رئيسياً في أجندات المؤسسات المالية الدولية التي تبحث عن منصات مستقرة وموثوقة لتعزيز التجارة البينية.

تأتي الزيارة الرسمية الحالية للرئيس التنفيذي للمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، السيد أديب يوسف الأعمى، إلى تونس لتؤكد هذا البعد الاستراتيجي، وتفتح فصلاً جديداً من فصول شراكة ممتدة تجاوزت في أرقامها حاجز الثلاثة مليارات دولار منذ عام 2008.

هذا التحرك لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الاقتصادية الراهنة، بل يمثل اعترافاً صريحاً بصلابة الدولة التونسية وقدرتها العالية على الوفاء بالتزاماتها المالية الدولية في أحلك الظروف، وهو ما أثنت عليه القيادات المالية للمؤسسة بشكل مباشر في لقاءاتها مع أركان الحكومة التونسية.

عند تفكيك أبعاد هذه الزيارة، نجد أن المحادثات تجاوزت الصيغ البروتوكولية المعتادة لتلامس عصب الاقتصاد التونسي، حيث تركز الدعم المالي واللوجستي المرتقب حول تأمين الحاجيات الحيوية للبلاد من المواد الأولية والاستراتيجية، وتحديداً في قطاعي الطاقة والمناجم.

إن توجيه التمويلات نحو مؤسسات سيادية كبرى كالشركة التونسية للكهرباء والغاز والمجمع الكيميائي التونسي يعكس وعياً عميقاً بضرورة تحصين الأمن الطاقي والإنتاجي كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الشامل.

هذا النهج التحليلي في توزيع الدعم يضمن بقاء العجلة الصناعية التونسية في حالة دوران مستمر، ويحمي النسيج الاقتصادي من الهزات الخارجية المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية.

من جانب آخر، تبرز الرؤية المشتركة نحو تنمية القدرات التجارية لتونس من خلال التركيز على المنتجات ذات القيمة المضافة العالية والسمعة الدولية المتميزة، وعلى رأسها قطاع زيت الزيتون التونسي.

إن سعي المؤسسة الدولية لتسهيل وصول هذا المنتج الاستراتيجي إلى الأسواق العالمية لا يهدف فقط إلى جلب العملة الصعبة، بل يساهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الزراعي الذي يمثل عماداً حيوياً للمجتمعات المحلية التونسية.

يتقاطع هذا الجهد التجاري مع الدور الإقليمي الأكبر الذي تلعبه تونس ضمن برنامج “جسور التجارة العربية الإفريقية”، حيث تستعد العاصمة لاستضافة جلسته العامة أواخر هذا العام، مما يكرس دور تونس التاريخي كبوابة رئيسية لتدفقات التجارة والاستثمار بين العالم العربي والقارة السمراء.

تثبت هذه الشراكة المتجددة أن تونس لا تبحث عن حلول ظرفية لأزماتها الاقتصادية، بل تصيغ مع شركائها الإقليميين استراتيجية مستدامة تعتمد على تنويع الصادرات، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز الاندماج الإقليمي.

إن الثقة المتبادلة التي تجسدت في لقاءات القيادات المالية والوزارية التونسية تضع أساساً متيناً لمرحلة قادمة من النمو، تصبح فيها تونس مركزاً محورياً لبرامج التمويل الإسلامي الموجه للتنمية والتجارة، مما يعزز مكانتها السياحية والاقتصادية كوجهة جاذبة للاستثمارات والأعمال في المنطقة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *