آخر الأخبار

أيام قرطاج الموسيقية تودع دورتها الحادية عشرة: سحر فايا يونان يعيد صياغة المشهد ويفتح آفاق الجهات لنبض الشباب

شارك

عبد الوهاب البراري ـ تونس

في ليلة اختلطت فيها دموع الوفاء ببهجة الإبداع، وأمام حشد تملأه الرغبة في التشبث بجمال النغم، أسدلت الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية الستار على فعالياتها، مساء السبت، بمسرح الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس العاصمة.


ولم يكن هذا الاختتام مجرد إعلان عن نهاية تظاهرة فنية، بل بدا كأنه فجر جديد لسياسة ثقافية تبحث عن جذورها في الأرض وتمد غصونها نحو المستقبل، بحضور رسمي ودبلوماسي تقدمته وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، ليتحول المسرح إلى ساحة للاحتفاء بالهوية والانفتاح في آن واحد.

لقد اختارت إدارة المهرجان، بقيادة المدير الفني منذر الفلاح، أن تقلب المفاهيم التقليدية للجوائز، متجاوزة المنطق المادي الجاف نحو استثمار حقيقي في وعي الأرض السابحة في تفاصيل الموسيقى.


وتجسد هذا التحول الاستراتيجي العميق في منح ثلاث فرق شبابية متألقة وهي “Midnight Pin” و”Gultrah” و”Altf4″ جائزة معنوية فائقة التأثير تتجاوز حدود الجدران المغلقة للمسرح؛ حيث تمثلت في التزام المهرجان بتنظيم جولات عروض حية في عدد من المناطق التونسية الداخلية.
إن هذه الخطوة لا تعد تكريماً فحسب، بل هي فعل مقاومة ثقافية يهدف إلى فك عزلة الجهات وحقن شرايينها بدماء إبداعية شابة، محولةً الموسيقى من ترف نخبي عاصمي إلى خبز يومي ومشروع مبتكر يوقظ همم المبدعين الناشئين أينما كانوا.

وعلى وقع ترقب صامت، أطلت القيثارة السورية فايا يونان كطيف من أحلام المشرق لتلامس أرواحاً تونسية متعطشة للجمال، مستهلة سهرتها الفاتنة بأغنية “في الطريق إليك” كرسالة حب وميراث عاطفي يختزل سنوات الغياب والاشتياق. وتنقلت فايا بين المقامات كأنها تبحر في بحار المشاعر الإنسانية، فغنت “يا ليته يعلم” و”أحب يديك”، قبل أن ترفع سقف الوعي القومي بلمسة وفاء دافئة لشعوب الحياة في فلسطين وسوريا. ولم تغب الروح التونسية عن وجدانها، إذ قدمت تحية ملحمية للراحل ياسر جرادي من خلال أغنية “ديما ديما”، لتهتز جنبات المسرح في لحظة تلاحم شعوري نادرة، أتبعتها بـ”كوكتيل” من روائع الموسيقار الراحل الهادي الجويني، صهرت فيه شجن الشام بعنفوان وإيقاعات الخضراء.

ولم يكن للموت أن يغيب عن مشهد يحتفي بالحياة، ففي التفاتة إنسانية بارعة هزت القلوب، كرم المهرجان روح المنتج الراحل صابر شطورو، حيث لاحت صورته على الشاشة العملاقة لتعانق دموع الحاضرين وتؤكد أن المبدعين لا يرحلون بل تظل أصداؤهم باقية في الذاكرة الجمعية.


هذا البعد العاطفي توازى مع حصاد رقمي مبهر أعلن عنه المهرجان، كاشفاً عن نجاح جماهيري وتنظيمي باهر للدورة التي استقطبت عشرين ألف زائر واحتضنت مائتين وعشرين موسيقياً من أكثر من عشرين دولة، قدموا ستة وعشرين عرضاً مختاراً وتسع حفلات كبرى، كان من بينها ظاهرة فرقة “جدل” الأردنية التي اضطر المهرجان لبرمجة عرضين لها استجابة لفيضان العشق الجماهيري، لتؤكد أيام قرطاج الموسيقية مجدداً أنها ليست مجرد موعد في الروزنامة، بل هي نبض يتجدد وذاكرة فنية تُكتب بمداد من النور.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *