جليلة كلاعي تونس
حين تتهادى سفينة ثلاثية الصواري على مياه البحر الأبيض المتوسط، حاملةً فوق أشرعتها البيضاء عبق قرن من الزمان، فإنها لا تنقل مجرد بحارة، بل تحمل إرثاً حضارياً عابراً للقارات.
هذا المشهد المهيب تجسد حقيقةً في ميناء حلق الوادي بتونس، مع رسو السفينة الشراعية الإيطالية الأسطورية “أميريغو فيسبوتشي”، التي تحولت من مجرد قطعة بحرية عسكرية إلى منارة دبلوماسية وثقافية تفيض بالجمال الجاذب لعشاق السياحة التراثية والملاحة العريقة.
لم تكن هذه المحطة التونسية في جولة السفينة العالمية مجرد زيارة عابرة، بل جاءت بمثابة إعلان مرئي عن متانة الشراكة الاستراتيجية والعمق التاريخي الذي يربط بين تونس وإيطاليا، محولةً الميناء التونسي الشهير إلى مسرح لتبادل التقاليد البحرية العريقة وبناء جسور سياحية وثقافية غير تقليدية بين ضفتي المتوسط.

هذا الحدث الاستثنائي اكتسب أبعاداً رمزية بالغة الأهمية؛ إذ تزامن مباشرة مع الاحتفال بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين تونس وروما، وهي مسيرة ممتدة من التعاون والتثاقف تعود جذورها إلى منتصف القرن الماضي. وتجلت أسمى معاني هذه الشراكة في الجانب الإنساني والتعليمي للزيارة، حيث احتضن ظهر السفينة الملقبة دولياً بـ “أجمل سفينة في العالم” خمسة عشر طالباً ضابطاً من سلك البحرية التونسية، شاركوا جنباً إلى جنب مع نظرائهم الإيطاليين في رحلتها التدريبية الأخيرة.
هذا الامتزاج بين الطواقم الشابة لم يكن مجرد تدريب تقني على الإبحار بالأشرعة، بل تحول إلى تجربة سياحية وثقافية فريدة استلهمت قيم التواصل البشري، وعززت الصداقة بين جيل جديد من حراس المتوسط.

من الناحية الجيوسياسية والأمنية، يمثل هذا الرسو انعكاساً لوعي مشترك بالرهانات الإستراتيجية التي تحيط بحوض البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً في منطقة مضيق صقلية الحيوية.
فالبحر الذي يربط بين البلدين يفرض تنسيقاً مستمراً لتأمين الملاحة وحماية البنى التحتية الحيوية، وهو ما أكدته القيادات الدبلوماسية خلال الأنشطة الرسمية المصاحبة للحدث، مشددة على أن الأمن البحري والتنمية السياحية وجهان لعملة واحدة.
فالاستقرار في هذا الشريان المائي العالمي هو الضامن الأساسي لاستمرار تدفق المجموعات السياحية وحركة التبادل الثقافي والاقتصادي، مما يجعل من الدبلوماسية البحرية التي تقودها “أميريغو فيسبوتشي” أداة ناعمة وفعالة لتثبيت دعائم السلم والازدهار الإقليمي.
ولم تغفل السفينة العريقة، التي دخلت الخدمة منذ عام 1931 وتعد أقدم قطعة نشطة في البحرية الإيطالية، دورها الكوني كسفيرة للنوايا الحسنة وقيم اليونسكو، حيث حملت إلى السواحل التونسية رسالة بيئية ملحة تدعو إلى حماية المحيطات وصون الأنظمة البيئية البحرية.
إن دمج التوعية البيئية بالسياحة التراثية يعكس رؤية حديثة لرحلات السفن التاريخية؛ حيث لم يعد الهدف يقتصر على استعراض المهارات الملاحية الكلاسيكية، بل بات يركز على نشر ثقافة الاستدامة واحترام الموارد البحرية للأجيال القادمة.
ومع إسدال الستار على هذه الزيارة التي زاوجت بين سحر التاريخ وعمق التحالف، تركت “أميريغو فيسبوتشي” وراءها في مياه حلق الوادي أثراً لا يمحى من الجمال، مؤكدة أن المتوسط سيبقى دائماً بحراً يجمع الثقافات ويرسم ملامح مستقبل مشترك من التعاون والصداقة.



