آخر الأخبار

برج الطويلة في الجبيل علامة لا تحتاج إلي صوت لتسمع حكايتها

شارك

عباس البراهيم

في يوم التأسيس، يبرز برج الطوية في الجبيل بوصفه علامةً لا تحتاج إلى صوت كي تُسمِع حكايتها؛ فبعض المعالم تروي التاريخ بصمتها، وتختزن في جدرانها معنى البقاء والرسوخ. هناك، في قلب المدينة، لا يقف البرج مجرد بناءٍ قديم، بل يقف كدليل حيّ على جذورٍ ضاربة في عمق التاريخ السعودي، جذورٍ سبقت تحولات النفط، وتجاوزت موجات الحداثة، وتأسست يوم كان الإيمان أساس العمران قبل أن يكون الحجر مادته.

وعندما نستحضر ذكرى التأسيس، فإن الذاكرة تعود إلى عام 1727م، إلى اللحظة التي أعلن فيها الإمام محمد بن سعود انطلاقة الدولة السعودية الأولى في الدرعية؛ لحظة لم تكن شأناً سياسياً عابراً، بل بداية مشروع استقرار ووحدة، وميلاد رؤية حضارية وضعت الأمن في صدارة أولوياتها، ورسخت مفهوم الدولة القائمة على تماسك المجتمع ووحدة الصف.

ومنذ ذلك المنعطف التاريخي، لم تكن القلاع والأبراج مجرد تحصينات عسكرية، بل تجلياتٍ لفكرة السيادة والانتماء وحراسة الأرض. وبرج الطوية، بتكوينه الطيني المتين، ليس أثراً معمارياً وحسب، بل وثيقة مفتوحة كتبتها الجغرافيا بمداد الزمن؛ تشققات جدرانه ليست عيوباً، بل سطوراً تحكي صبر الحراس، ولونه الترابي ليس أثراً للقدم، بل انعكاساً لأرضٍ احتضنت رجالاً ونساءً آمنوا بأن حماية الوطن مسؤولية، وأن الأرض ليست مساحةً فحسب، بل هوية.

ولم تكن المنطقة الشرقية يوماً على هامش المشهد، بل كانت بوابة البحر، ومعبر التجارة، ونقطة التحول الاقتصادي الكبرى. ومع تعاقب مراحل الدولة السعودية الثلاث، بقيت هذه الأرض شريكاً أصيلاً في مسيرة البناء؛ من صون السواحل إلى بزوغ الصناعة، ومن موارد الطاقة إلى الريادة العالمية.

وهكذا يمتد المسار من الطين الذي صيغت به الأبراج إلى الفولاذ الذي شُيّدت به المصانع، ومن الحراسة التقليدية إلى منظومات الأمن الحديثة، ومن البرج الصامت إلى المدينة الصناعية النابضة بالحياة.

إن التأمل في برج الطوية يمنحنا معنى أعمق: فالدول الراسخة لا تُبنى بضجيج اللحظات، بل بتراكم السنين، ولا تنهض بالقوة وحدها، بل بالقيم التي تصنع الثبات، ولا تستمر بالاندفاع العابر، بل بالوعي المتجدد بجذورها وهويتها. وفي هذا المعلم الصامد، تتجسد حكاية وطنٍ بدأ بفكرة، واستمر بثبات، وأصبح نموذجاً في البناء والنهوض.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *