محمد العجلان
يُجسّد متحف البحر الأحمر حضورًا ثقافيًا نوعيًا في قلب جدة التاريخية، الموقع المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، حيث يقدّم المتحف رؤية معرفية متكاملة تستعرض تاريخ البحر الأحمر بوصفه فضاءً للتواصل الإنساني وممرًا للحضارات عبر العصور.

ويأتي المتحف بوصفه أحد المشاريع الثقافية التي تعكس توجهات المملكة في حماية الإرث الثقافي والبيئي المرتبط بالبحر الأحمر، وتقديمه وفق معايير متحفية حديثة تجمع بين التقنيات التفاعلية وأساليب العرض المعاصرة، إلى جانب توظيف البحث العلمي المتخصص في صون المقتنيات وإبراز قيمتها التاريخية والمعرفية.

*معارض تحكي التاريخ*
ويضم المتحف منظومة معارض دائمة تتجاوز ألف قطعة أثرية وفنية موزعة على سبعة محاور رئيسية و23 قاعة عرض، تُقدَّم بأسلوب سردي معاصر يمزج بين المادة التاريخية والتجربة التفاعلية، مستعرضًا العلاقة العميقة بين الإنسان والبحر الأحمر عبر الأزمنة المختلفة.
وتتناول هذه المعارض موضوعات متعددة تشمل تاريخ مبنى باب البنط، ونشأة البحر الأحمر ودلالاته الثقافية، وأدوات الملاحة والخرائط البحرية التي اعتمد عليها البحّارة، إضافة إلى التنوع البيئي والمجتمعات الساحلية التي ازدهرت على ضفافه، وصولًا إلى طرق التجارة البحرية ورحلات الحج التي عبرت مياهه، فضلًا عن الأعمال الفنية التي استلهمت البحر الأحمر كمصدر للإبداع والتلاقي الحضاري.

*مقتنيات نادرة وبرامج تفاعلية*
ويحتضن المتحف مجموعة متنوعة من المقتنيات التاريخية والفنية، من بينها الخزف الصيني، ومباخر العود، والمرجان، والحُلي، وأدوات الملاحة القديمة، والمخطوطات والصور التاريخية، إلى جانب أعمال فنية حديثة ومعاصرة لفنانين سعوديين ودوليين، في سرد بصري يعكس استمرارية العلاقة بين الماضي والحاضر في فضاء البحر الأحمر الثقافي.
كما يقدّم المتحف برنامجًا ثقافيًا متنوعًا يشمل ورش العمل والدورات التدريبية والندوات المتخصصة والحوارات المفتوحة، ومن أبرزها مبادرة «صُنع في البحر الأحمر» المعنية بتأهيل الحرفيين، إلى جانب مشاريع فنية مستدامة مثل «فن البحر الأحمر»، إضافة إلى عروض «موسيقى البحر الأحمر» التي تحتفي بتراث المنطقة الموسيقي وتمزج بين الأصالة والتجارب الإبداعية المعاصرة.

*حراك ثقافي متكامل*
ويتزامن نشاط المتحف مع الفعاليات الرمضانية التي تحتضنها جدة التاريخية، والتي تنظمها شركة بنش مارك، حيث تضفي هذه الفعاليات أجواءً اجتماعية وثقافية تستحضر الموروث الحجازي بروح معاصرة تجمع بين الأصالة والترفيه.
ويعكس هذا الحراك الثقافي المتكامل توجه المملكة نحو ترسيخ مفهوم الاقتصاد الثقافي القائم على استثمار التراث وتعزيز حضوره عالميًا، بما يسهم في ترسيخ مكانة جدة التاريخية بوصفها وجهة حضارية وثقافية تربط الماضي بالحاضر وتفتح آفاقًا جديدة للمستقبل.




